أكرم ألفي
في ديموجرافيا العالم.. طرحت يوماً أننا سنقف كثيراً أمام "المسألة الصربية".
صربيا هي نموذج تنكمش سكانياً منذ 15 عاماُ لا تتعجب فعدد سكان صربيا في عام 2011 كان 7.2 مليون نسمة ووصل في 2026 إلى 6.5 مليون نسمة!.
دفعت صربيا ثمناً باهظاً للحروب التي شنتها حكوماتها عقب تفكك الاتحاد اليوغسلافي في منتصف التسعينيات والذي دفع إلى هجرة واسعة لشبابها إلى البلدان الأوروبية المجاورة وهم الشباب الذين لم يعودوا أبداً ففي التسعينيات – بحسب تقديرات صحفية- غادر أكثر من 400 ألف أي نحو 5% من سكان صربيا وقتها إلى أوروبا بدون تذكرة عودة.
وفي التسعينيات عقب انهيار الدولة اليوغسلافية وانتهاء الحلم "الأحمر"، انهار معدل الخصوبة إلى 1.4 طفل لكل سيدة فجأة وظل يتراوح بين 1.4 إلى 1.6 طفل لكل سيدة منذ 1995 إلى اليوم أي ظل أكثر من 30 عاماً دون معدل الإحلال، والنتيجة هو انهيار عدد المواليد حيث انخفض من نحو 70 ألف طفل سنوياً إلى 59 ألف طفل سنويا!.
وفي عام 2025 كانت ذورة جديدة لانهيار مستمر منذ 30 عاماً، حيث انخفض عدد سكان صربيا بنحو 35 ألف نسمة بانخفاض بلغ -0.5% وهو تراجع مستمر لعقود مما جعل صربيا تفقد 10% من سكانها خلال 14 عاماً، بانخفاض السكان بنحو 700 ألف من 2011 إلى 2025.
النتيجة كانت أن صربيا أصبحت بلد عجوز للغاية حيث يبلغ متوسط العمر في صربيا نحو 44 عاماً. وتشير جميع التوقعات السكانية الصادرة عن المؤسسات الرسمية إلى أن عدد السكان سيواصل الانخفاض في المستقبل، في حين سيرتفع عدد كبار السن، بمن فيهم الفئات المتقدمة جداً في العمر.
وتتجلى الآثار الاقتصادية لشيخوخة السكان بشكل مباشر في تمويل نظام التقاعد، والضغوط على قطاع الرعاية الصحية، والنقص المزمن في الأيدي العاملة.
صربيا تواجه حالياً مشكلات مثل نقص العمالة - لا سيما في المناطق التي تعاني من انخفاض حاد في عدد السكان - وضغوط متزايدة على نظام الرعاية الصحية. بالتوازي فإن النشاط العقاري شبه متوقف في اطرافها مع عدم وجود أي طلب تقريباً على السكن الجديد.
"المسألة الصربية" تتلخص في انكماش مستمر للسكان لأكثر من 15 عاماً، وارتفاع كبير لنسبة كبار السن بلغت فوق 22%. وبالتوازي حكومة لم تتكيف بعد مع هذه التحولات الديموجرافية والاجتماعية المرتبطة بشيخوخة ونقص السكان، فاللتغير الديموجرافي في صربيا يحدث بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الاجتماعية والسياسات العامة على التكيف مع الظروف الجديدة.
وهناك مشكلات اجتماعية خاصة بصربيا، وهي أن عدد كبير من كبار السن يعيشون بمفردهم بسبب أن أبنائهم الذين هاجروا في التسعينيات لم يعودوا ولن يعودوا.
صربيا لجأت إلى الحل الكلاسيكي باستقدام عمالة من آسيا وأفريقيا وشمال الشرق الأوسط لشغل الوظائف في قطاعات النقل وخدمات التوصيل وقطاع الخدمات. ولكن توظيف الأجانب لم يحل مشكلة الانكماش الديموجرافي، ولا يعيد الحياة إلى القرى الخالية.
فصربيا مجتمع محافظ وخاصة في الريف ولا يقبل سكانه الارثوذكس المحافظين تدفق أعداد أكبر من القادمين من آسيا.. مما يدفع قرى عديدة إلى التحول إلى مجرد "شاهد قبر". بالتوازي، فإن القطاع الخاص يصرخ بصوت عالي مطالباً باستقدام عمالة ماهرة فهناك عجز شديد في المهندسين والأطباء بالدولة الصربية.
صربيا تعيش "شتاء ديموجرافي" قاسي جداً، تعاني من انكماش السكان وارتفاع نسبة كبار السن واستمرار نزيف الكفاءات والكوادر المتعلمة لصالح أوروبا الغنية.
في يوم من الأيام سنبحث معاً "المسألة الصربية" كدرس للدول التي لم تستعد مبكراً للانكماش السكاني وتجاهلته وعندما حدث الانهيار صرخت "أين البشر؟"






