بقلم: أندرو اشعياء
لا استطيع أن أبوح كيف دخلت إليهم مكان استراحة واستقبال اسر الآباء، وكيف منعت دموعي، وكيف ترجّلت إلى المكان في ثبات.. لقد كانت الزيارة الأولى لهم، فبعد حضورالقداس أذن لي الأب المسئول أن ابعد لأصلي متعللًا بترتيب بعض الأشياء المتعلقة بالكنيسة. خفق قلبي كثيرًا ولجّمته بالأكثر من السقوط. ولا أدري ما دار بينهم مع الأب حتى جئت وجلست في هدوء..
لم تكن لي سوى أيام قليلة، وحين جاءوا ظننتها أنها سنوات، وتحذّرت من نفسي كثيرًا في سلامي .. لست أدري كيف مرة البدايات حتى أفقت على صوت أمي: «أما شبعت من البعد؟ ارجع إلى بيتك، فمكانك بيننا.» نظرت إليها بعين هادئة، وقلبي يركع في صمت، وقلت: «يا أمي، ما تركت البيت هروبًا من دفئه، فمحبتي لكم لم تزل تسكنني، لكنها تعلّمت أن ترتفع قليلًا، لتستند إلى ما هو أبقى.»
قال أبي بصوت تختلط فيه الحكمة بالوجع: «وهل وجدْتَ ما هو أغلى من أهلك؟ نحن من تعبنا فيك، ونحن من ينتظرك.» أطرقت قليلًا، ثم رفعت رأسي كمن يستأذن الكلام من صمت عميق: «أبي، أنتم عطية الله الأولى لي، فكيف أنكر فضلكم؟ لكني الآن أبحث عن واهب العطايا نفسه. لا أترككم لأني أقلّ محبة، بل لأني أتعلم كيف أحبكم في نور لا يزول.»
قالت أختي وعيناها تلمعان بدمع خجول: «نشتاق إليك، البيت ناقص بدونك، وضحكتك لم تعد تملأ المكان.» ابتسمت ابتسامة فيها شوق مكبوح، وقلت: «وأنا أيضًا أشتاق، لكني صرت أفتش عن امتلاء آخر، امتلاء لا تصنعه الضحكات. إن كان غيابي يؤلمكم، فاعلموا أني الآن أتعلم كيف أكون حاضرًا بطريقة أعمق..»
قال أخي بإلحاح ظاهر: «وهل الرهبنة تعني أن تنسى كل شيء؟ أن تقطع كل رباط؟» وقتئذ وقعت عيني في عين أبي فوجدته ينظر لأخي وكأنه يحامي عني ألا تكون الكلمات قاسية، ولكني لم أرى في عيناه مواجهة إنما كغريق يحاول أن يمسك فيَّ.. فتنهدت بهدوء وقلت: «لا.. هذا الطريق لا ينزع المحبة من القلب، إنه يُخلّصها من التعلّق الذي يقيّدها.»
فعادت أمي وقالت وهي تضغط على كلماتها كأنها ترجوها أن تخرج: «نخاف عليك من القسوة، من أن يصير قلبك حجرًا لا يشعر.» اقتربت منها قليلًا وقلت بصوت خفيض: “وأنا أخاف هذا أيضًا يا أمي، لذلك أهرب إلى الله كل يوم. إن جفّ القلب بعيدًا عنه، يقسو؛ أما إن اقترب، يتعلّم دموعًا أخرى، دموعًا لا تُرى لكنها تُحيي.»
قال أبي بنبرة فيها شيء من الحزم: “الحياة ليست هكذا، الإنسان خُلق ليكون بين الناس، يعمل ويعطي ويعيش.” فأجبته في خشوع: «صدقت يا أبي، لكن هناك من دُعي ليخدم من موضع الخفاء، ليكون عمله صلاة، وعطاؤه صمتًا. لستُ أفضل من أحد، لكني أحاول أن أكون أمينًا للدعوة التي وُضعت في قلبي دون أن أطلبها.»
قالت أختي برجاء أخير: “ارجع ولو قليلًا، جرّب أن تعيش بيننا ثم قرر.” فابتسمت بحزن هادئ وقلت: «إن الطريق الذي بدأتُه لا يُختبر بالرجوع، إنما بالثبات..»
وسريعًا اختنق صوت ابي قائلًا: «اخواتك غلابة» فأجبت ولم أسقط: «انا بحبهم جدًا» وفي فوضى الحديث سمعتهم: «نخشى أن تخسرنا.» فأجبتهم وقلبي ينحني بمحبة: «لن أخسركم إن وضعنا محبتنا في موضعها الصحيح. إن اجتمعنا في الله، لا نفترق، وإن افترقنا عنه، لا ينفعنا القرب. دعوني أتعلم كيف أكون لكم ابنًا بالصلاة»
وحينئذ ساد الصمت، فقاطعنا صوت الأب المسئول داخلًا علينا وكأنه استشعر حدة الحنين، سائلًا: «هتشربهم ايه؟» فأجبت: «لا دي مهمتي.. انا عارف طلباتهم» ودخلت سريعُا أجر دموعي الغزيرة دون ماء قبل أن تنهمر، واستعيد قوتي في صمت الصلاة»
دعوني الآن ولنا حديث اخر.





