القمص يوحنا نصيف
يتساءل البعض: لماذا يحدث أحيانًا أنّ البعض يصنعون شرًّا ضدّنا في مقابل الخير الذي نصنعه له؟ كما يقول المثَل: "خيرًا تعمَل، شرًّا تَلقَى".. وهل هذا المَثَل صحيح؟!
وهل المطلوب مِنّا أن نفعل الخير دائمًا حتّى مع الذين يعادوننا؟! هل هذا ممكن؟ وهل هو في صالحنا؟!
ومِن أين نأتي بطاقة لنفعل الخير مع أناسٍ لا يُقَدِّرون ولا يَشكرون؟!
أحاول بنعمة المسيح في هذا المقال أن أناقش هذه التساؤلات.
أوّلاً: كلّنا نعرف أنّ الله هو صانع الخيرات، وهو مصدر كلّ خير وصلاح.. ومن الطبيعي أنّ أولاده يشابهونه.. فنحن نفعل الخير لأنّ طبيعتنا الجديدة كأولاد لله هي طبيعة خَيِّرة، فإنّ "مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ هُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ" (1يو3: 7)، و"كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ" (1يو3: 9).. لذلك "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29).
ثانيًا: صُنع الخير يتوقّف على نوع الكنز الذي في القلب.. فإذا كان هناك كنز صالح في القلب، ستَخرج منه صالحات، وإن كان في القلب كنز شرير ستخرج منه شرور (لو6: 45).. لذلك فالذين يسكن فيهم روح الله، الذي هو كنز الصالحات، من الطبيعي أن يفعلوا الخير دائمًا.. ولا يستطيعون أن يردّوا على الشرّ بالشرّ، لأنّ الكنز الذي في قلبهم كلّه خير!
ثالثًا: المثَل المذكور في السؤال "خيرًا تَعمَل شرًّا تَلقَى"، هو في الحقيقة مَثَل غير سليم، ويَحمِل مغالطة كبيرة.. لأنّ الخير الذي يزرعه الإنسان لابد أن يُثمِر ثمرًا من نفس جنسه.. كمثل المُزارع الذي إذا زرع نوعًا من الخضروات أو البقول أو الفواكه، فستعطيه الأرض نباتًا من نفس جنس ما زرعه، وليس نباتًا آخَر!
هكذا مَن يزرع خيرًا يحصُدُ خيرًا وبركة، ومَن يزرع شرًّا أو شوكًا، فستكون ثمار زراعته شرًّا وأشواكًا.. وفي هذا يَصدُق قول الإنجيل: "ما يزرعه الإنسان إيّاه يحصد" (غل6: 7).
ولكن لماذا أحيانًا نزرع نباتًا صالحًا في الأرض، ونُفاجَأ بظهور بعض الزوان أو الأشواك؟! الحقيقة كما شرحها السيّد المسيح لنا أنّ الزوّان ليس هو ثمار ما زرعناه، بل أنّ هناك عدوًّا يقوم بزرع الزوان والأشواك، عندما يكون الناس نيامًا (مت13: 25).. لذلك عندما ننتبه أنّ هناك زرعًا غريبًا لم نزرعه بدأ يظهر في حقلنا، فهذا بالتأكيد ليس ثمرًا لزراعتنا، بل هو زرعٌ لشخصٍ شرّيرٍ ومعادٍ لنا!
وهكذا.. عندما نفعل الخير مع أحد، فلنتأكّد أنّنا سنحصد خيرًا لحياتنا ولحياة أولادنا، ولكن ليس بالضرورة أن يأتينا هذا الخير من نفس الشخص الذي فعلنا معه الخير.. أمّا إن كُنّا نتعرّض لهجوم شرير من بعض الأشخاص، أو لمتاعب أو ضيقات، فهذا بالتأكيد ليس نتيجةً للخير الذي نفعله، كما يقول المثَل الخاطئ، ولكنّه نتيجة وجود عدوّ للخير، يَحسِد ويُحَرِّض ويدبِّر الشرور.. فهذا عمله، الذي لن يكفّ عنه للأسف.. ولكن نحن بدورنا أيضًا لنّ نكفّ عن فِعل الخير.. واثقين أنّ الله سيحمينا من شرور العدو، فهو لا يترك عصا الخطاة تستقرّ على نصيب الصدّيقين.
رابعًا: نفهم مِمّا سبق أنّه يلزمنا أن نواظب على عمل الخير مهما تأخّرَت الثمار، غير ملتفتين للشرور التي يزرعها العدو، واثقين أنّ "الذي يزرعه الإنسان إيّاه يحصد أيضًا" (غل6: 7)، ولذلك "لاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ" (غل6: 9)..
خامسًا: عمل الخير دائمًا هو في صالحنا، لأنّه يتحوّل إلى كنز سماوي بأسمائنا... كما يؤكّد لنا القدّيس بولس الرسول أيضًا: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1كو15: 58).
سادسًا: يمكننا فِعل الخير مع أيّ أحد، لأنّنا نُعطِي بتلقائيّة من الكنز الصالح الموجود بداخلنا.. وكلّما كانت القنوات بيننا وبين الله مفتوحة، فهو يفيض علينا من روحه بلا حساب (يو3: 34)، ونحن بدورنا نعطي بلا حساب.. فنحن لا نصرف من جيوبنا -إذا جاز التعبير- بل من كنوز أبينا غير المحدودة والتي تُغنينا!
لذلك، بصرف النظر عن طبيعة الناس التي ربّما لا تشكر أو تُقَدِّر محبّتنا أو تردّ الجميل أو حتّى تحترم عطاءنا.. فنحن نتعامل بطبيعتنا المسيحيّة الجديدة، الغنيّة بالنعمة، والتي تعطي بسخاء من ينابيع الروح الداخليّة التي لا تجفّ أبدًا.
سابعًا: ليس معنى أن نفعل الخير باستمرار هو أن نُعَرِّض أنفسنا لمخاطر الأذَى من بعض المعادين لنا، بالاقتراب منهم.. بل ينبغي ونحن نفعل الخير أن نحمي أنفسنا من شرور بعض الناس وأذاهم، فنحفظ "مسافةً آمنة" بيننا وبينهم.. بمعنى أن نحبّهم ونصلّي لأجلهم، ولكن نَحذَر منهم كما أوصانًا الربّ يسوع: "كونوا حكماء كالحيّات (الحيّة تهرب من الخطر)، وبسطاء كالحمام (بلا تعقيدات). ولكن احذروا من الناس" (مت10: 16-17).. وفي نفس الوقت، نكون مستعدّين دائمًا لتقديم الخير لهم كلّما احتاجوا، كما يوصينا الإنجيل أيضًا: "إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ. لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 20-21).
القمص يوحنا نصيف
أكتوبر 2026م





