د. بولا وجيه
بين أعمدة الهيكل العتيقة، وحيث تتصاعد سحب البخور محملة بتنهدات التائبين، كان الكاهن العجوز "زكريا" يقف خاشعاً، يحمل في قلبه المنهك سراً من لوعة وألماً دفيناً.
لقد خطّ الشيب ملامحه، وتجعدت يداه المرفوعتان بالدعاء، بينما شاركته زوجته "أليصابات" خريف العمر وحسرة الحرمان. في ذلك الزمان، لم تكن العقم مجرد غياب لطفل يملأ جنبات البيت ضجيجاً، بل كان في عيون بني إسرائيل عاراً ثقيلاً، ونقصاً في البركة التي منحها الخالق لآدم؛ فكانت نظرات الشفقة والتعيير تلاحق الزوجين الصديقين كظل لا يفارقهما، لكن زكريا لم ييأس يوماً من رحمة السماء، وظل يقرع أبواب الرجاء بصلوات لا تنقطع.
وفي يوم لم يكن كغيره من الأيام، وبينما كان الكاهن الشيخ وحيداً في قدس الأقداس يقدم البخور، شق سكون المكان نور سماوي باهر لم تعهده عينا بشر. تجلى أمامه الملاك "جبرائيل"، مهيباً ومشرقاً، ليحمل إليه أعظم بشارة. لم يكتفِ الملاك بطمأنة قلب زكريا المرتجف، بل زفّ إليه وعد السماء: صلواتك الدامعة قد سُمِعت، وأليصابات العاقر ستحمل لك ابناً، لا ليكون مجرد طفل يمسح عار الأيام، بل ليكون "يوحنا"، النبي العظيم الذي سيسبق مجيء المسيح المخلص، ويمهد الطريق أمام وجه الرب.
أمام جلال اللحظة وعظمة البشارة، تعثر إيمان زكريا البشري بحدود المنطق. نظر إلى يديه المرتعشتين وتذكر سنوات زوجته العجوز، فتساءل بصوت شقّه الشك: "كيف يكون لي هذا وأنا رجل شيخ، وامرأتي متقدمة في أيامها؟". لم تكن إجابة الملاك مجرد كلمات، بل كانت ختماً إلهياً؛ فقد أعلن له جبرائيل هويته كملاك يحيط بالعرش، وأخبره بأن ثمن هذا الشك البشري سيكون صمتاً مقدساً. ستُعقد طيات لسانه، ولن ينطق بحرف واحد حتى يرى بعينيه وعد الله يتجسد حياً يرزق.
خرج زكريا إلى الجموع المنتظرة خارج الهيكل، يومئ بيده ولا يتكلم، وقد أدرك الجميع أنه رأى رؤيا في الأقداس. مرت الأشهر ثقيلة وجميلة في آنٍ واحد، تحول فيها صمت الكاهن الشيخ إلى محراب داخلي للتأمل. وفي أحشاء أليصابات العجوز، كانت معجزة الحياة تنبض، رداً إلهياً صامتاً على كل تعييرات البشر.
وعندما اكتمل الزمان، وُلد الطفل المنتظر، واجتمعت العشيرة في يوم ختانه ليمنحوه اسم أبيه "زكريا" فرحاً وتكريماً. لكن الأم رفضت بقوة عجيبة، وطلبت أن يُسمى "يوحنا". وأمام استغراب الأقارب، التفتوا إلى الأب الصامت سائلين إياه عن قراره. أشار زكريا بيده طالباً لوحاً صغيراً، وبيد واثقة لم تعد ترتعش بالشك، خطّ بحروف واضحة قاطعة: "اسمه يوحنا".
في تلك اللحظة ذاتها، انكسر قيد الصمت، وانطلق لسان زكريا المحتبس، لا ليتكلم بحديث البشر العادي، بل لينفجر بأنشودة تسبيح ونبوة هزت الأرجاء. بارك الله الذي افتقد شعبه، وتنبأ عن طفله الصغير الذي سيصير صوتاً صارخاً في البرية، يتقدم وجه العلي، ليشرق فجر جديد يمسح دموع البشرية المنهكة. هكذا، من رحم العقم، ومن رحم الصمت، ولدت أعظم بشائر الخلاص.





