د. بولا وجيه يكتب: من طيبة إلى أمجاد الكنيسة.. الشهيد موريس
من شمس "طيبة" الدافئة إلى ثلوج جبال الألب الباردة، خُطت واحدة من أعظم ملاحم الوفاء في التاريخ. في صعيد مصر، حيث وادي الأقصر العريق، نشأ القديس "موريس" جندياً صلباً، لوّحت الشمس وجهه، وغرس الإيمان جذوره في أعماق قلبه. لم يكن مجرد جندي في جيش الإمبراطورية الرومانية، بل كان قائداً أسطورياً للـ "الكتيبة الطيبية"؛ تلك الكتيبة التي ضمت ستة آلاف وستمائة مقاتل قبطي مسيحي، عُرفوا ببأسهم في ساحات الوغى، وبطهرهم في ليالي الصلاة.
في أواخر القرن الثالث الميلادي، وتحت حكم الإمبراطور "دقلديانوس"، هبت رياح التمرد في بلاد الغال (فرنسا). نادى الإمبراطور كتيبته الطيبية التي لا تُقهر، لتعبر البحار والجبال نجدةً لـ "مكسيميانوس" إمبراطور الغرب. زحف الجيش العظيم حتى لامست أقدامهم ثلوج سويسرا، وهناك، قُسمت الكتيبة إلى شطرين، وعسكر موريس ورجاله في مدينة "أجونام".
وقبل أن تُقرع طبول الحرب، أصدر مكسيميانوس أمراً مسموماً؛ أن ينحني كل جنود الجيش لتقديم الذبائح وحرق البخور لآلهة روما الوثنية، استجلاباً للنصر. هنا، توقفت طبول الكتيبة الطيبية، وانسحب القائد موريس برجاله بهدوء وعسكروا بعيداً. لم يكن تمرداً على العسكرية، بل كان ولاءً لملك الملوك.
أرسل مكسيميانوس وعيده، فجاءه رد موريس يعاونه ضابطاه "إكسوبيريوس" و"كانديدَس"، بكلمات نُحتت في سجلات الخلود: "أيها الإمبراطور، نحن جنودك، لكننا قبل ذلك عبيد الإله الحقيقي. نحن ندين لك بالطاعة والولاء العسكري، ولكننا لا نستطيع أن نرفض خالقنا وسيدنا، بل وخالقك أنت أيضاً."
استشاط الإمبراطور غضباً أمام هذه الكبرياء الروحية، وأصدر حكماً بـ "التعشير"؛ أي قتل عُشر أفراد الكتيبة لترويع الباقين. سالت دماء ستمائة وستين رجلاً على الثلج الأبيض، فلم يزدد الباقون إلا ثباتاً وشوقاً للحاق برفاقهم. أُعيدت الكرة، وقُتل العُشر الثاني، وظلت الكتيبة تهلل وتسبح، لا يرفعون سيفاً في وجه جلادهم، بل يقدمون أعناقهم كخراف سيقت للذبح.
أمام هذا الصمود الأسطوري، فَقَد الإمبراطور صوابه، وأمر بإبادة الكتيبة عن بكرة أبيها. تحولت أرض "أجونام" إلى مذبح مفتوح، وتغطت الأرض بالجثث، وسالت الدماء كالنهر الجارف. وفي غمرة هذا المشهد المهيب، وبينما كان جند الإمبراطور يقتسمون أسلاب الشهداء وملابسهم، مرّ جندي يُدعى "فيكتور". وحين عُرضت عليه الغنائم الملطخة بالدماء، رفضها في إباء. سألوه في تعجب: "أمسيحي أنت؟"، فأجابهم برأس مرفوعة: "نعم". وفي اللحظة ذاتها، عاجلوه بضربة سيف، ليلحق بقافلة النور، ويكون خاتمة لهذه السيمفونية المقدسة في عام 287م.
ذاب ثلج الألب، لكن دماء الكتيبة الطيبية أزهرت في قلب أوروبا. صارت تلك الأرض تُعرف باسم "سان موريس"، وصار القائد الأسمر شفيعاً لبلاد سويسرا، وشفيعاً للجنود في كل مكان، وارتفعت الكنائس فوق عظامهم الطاهرة تنطق بمعجزات لا تنتهي.
وبعد قرون طوال، حنت الدماء إلى ترابها الأول. ففي الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1986م، عادت أجزاء من رفات القديس موريس إلى أحضان كنيسته الأم في مصر، ليستلمها البابا شنودة الثالث، ولتستقر في العباسية، شاهداً حياً على أن الكتيبة التي خرجت من طيبة للحرب، عادت إليها حاملة تيجان النصر الأبدي. ولا تزال الكنيسة حتى اليوم، في الخامس والعشرين من توت، والخامس عشر من أمشير، ترنم بسيرتهم، وتستلهم من ذكراهم شجاعة لا تنحني إلا لله.





