محرر الأقباط متحدون
احتفى الأرمن المصريون بمرور 200 عام على تأسيس الخارجية المصرية عام 1826، على يد بوغوص بك يوسفيان، وذلك خلال أمسية ثقافية نظمها الصالون الثقافي لجمعية القاهرة الخيرية الأرمنية العامة، وشهدت تدشين كتاب «أسرة نوباريان في مصر الحديثة»، الصادر في مجلدين يضمان نحو 1400 صفحة، إلى جانب محاضرة للدكتور محمد رفعت الإمام، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، تناول خلالها مسيرة تأسيس الخارجية المصرية والدسائس التي واجهت بوغوص بك خلال سنوات التأسيس.

وشهدت الأمسية حضورًا بارزًا، تقدمهم المطران أشود مناتساجنيان، مطران الأرمن الأرثوذكس في مصر، والمطران كريكور كوسا، مطران الأرمن الكاثوليك، والسفير يوسف زادة من وزارة الخارجية، والشيخ حازم الحويطي، نائب رئيس مجلس القبائل العربية والعائلات المصرية، والأستاذ جرجس صالح من مجلس كنائس الشرق الأوسط، إلى جانب سيلفا وسوسي، حفيدتي رسام الكاريكاتير الراحل صاروخان، وعدد من الشخصيات البارزة في الجالية الأرمنية ورؤساء مجالس إدارات الجمعيات الأرمنية في مصر، وعدد من الإعلاميين والصحفيين.

ثلاث مناسبات تاريخية في ليلة واحدة
واستهل جورج نوبار، رئيس مجلس إدارة الجمعية، الأمسية بكلمة باللغة الأرمنية قبل أن ينتقل إلى العربية، موضحًا أن المناسبة تجمع ثلاث محطات تاريخية؛ مرور 200 عام على إنشاء الخارجية المصرية عام 1826 على يد بوغوص بك يوسفيان، و120 عامًا على تأسيس الاتحاد الخيري الأرمني العام في القاهرة عام 1906، و70 عامًا على تأسيس الجمعية عام 1956.

وأوضح أن المجلدين الجديدين سيكونان متاحين في نسختين ورقية وإلكترونية، كما نقل اعتذار السفير ناجي غابة، من وزارة الخارجية، عن عدم الحضور بسبب سفره في مهمة مرتبطة بمؤتمر العلمين أفريقيا، مؤكدًا نقل تحياته إلى المشاركين في الأمسية.

36 ألف نص عن الأرمن في الصحافة المصرية والعربية
واستعرض رئيس الجمعية بدايات المشروع البحثي الذي انطلق عام 2001، عندما بدأ مجلس الإدارة برئاسة الراحل بيرج ترزيان في جمع ما نشرته الدوريات المصرية والعربية المحفوظة في دار الكتب المصرية عن أرمينيا والأرمن.

وعلى مدار عقد كامل، بين عامي 2001 و2011، جرى تصوير نحو 36 ألف نص من 383 دورية تناولت قضايا الأرمن وجالياتهم في البلاد العربية، ثم استمرت مراحل التصنيف والفهرسة والتجليد والحفظ على الميكروفيلم بين عامي 2011 و2014.

وتحت إدارة الراحلين مونيك بلوتانيان والدكتور فيكين جيسماجيان، صدر أول نتاج للمشروع بعنوان «القضية الأرمنية في الصحافة العربية 1876–1923»، في 12 مجلدًا تضم 7056 صفحة، مستخلصة من 353 دورية، وصدر عام 2015 بالتزامن مع الذكرى المئوية للقضية الأرمنية.

«أسرة نوباريان في مصر الحديثة».. وثائق ودراسة تاريخية
ويضم الإصدار الجديد، إلى جانب مادته الوثائقية، دراسة موثقة من 76 صفحة أعدها الدكتور محمد رفعت الإمام، عميد كلية الآداب بدمنهور سابقًا والمشرف العلمي على المشروع، بمشاركة فريق بحثي ضم الدكتور علي ثابت، والدكتور عاطف دران، والدكتورة سحر حسن.

وأوضح جورج نوبار أن اختيار توقيت إصدار الكتاب ارتبط بعدد من المناسبات التاريخية، من بينها مرور 200 عام على ميلاد نوبار باشا في 4 يناير 2025، وهو أحد أبرز الشخصيات الأرمنية في مصر خلال القرن التاسع عشر، بعدما خدم في الحكومة المصرية خلال عهود سبعة حكام، وتولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات.

كما أشار إلى مرور 95 عامًا على وفاة نجله بوغوص نوبار باشا، مؤسس الاتحاد الخيري الأرمني العام بالقاهرة عام 1906، والذي ظل رئيسًا له حتى وفاته في 25 يونيو 1930.

ولم يقتصر المشروع على أسرة نوباريان وحدها، وإنما امتد إلى أقاربها وأصهارها من أسرتي يوسفيان وأبرو، بما يوفر للباحثين مادة وثائقية تتصل بالتاريخ المصري والعثماني والأرمني.

وتُهدي الجمعية الإصدار، بمناسبة الذكرى الـ120 لتأسيس الاتحاد الخيري الأرمني العام، إلى ثلاث شخصيات ارتبطت بتاريخ مصر الحديث، وهم بوغوص بك يوسفيان، أول وزير للخارجية المصرية، ونوبار باشا، أول رئيس لوزراء مصر، وبوغوص نوبار باشا، مؤسس الاتحاد الخيري الأرمني العام.

وأشار رئيس الجمعية إلى أن خمسة من الأرمن تولوا إدارة الخارجية المصرية نحو 12 مرة خلال القرن التاسع عشر.

تماثيل ولوحات ووثائق توثق تاريخ الخارجية المصرية
ووجه جورج نوبار الشكر إلى وزارة الخارجية المصرية، بقيادة الدكتور بدر عبد العاطي، مشيدًا بما أقامته الوزارة من متحف تاريخي ومعرض توثيقي لتكريم عدد من الآباء المؤسسين من المصريين الأرمن، مشيرًا إلى استقبال الوزارة وفدًا يضم 70 شخصًا لزيارة المتحف والمعرض.

ويضم المتحف تمثالًا لبوغوص بك يوسفيان من إبداع النحات سركيس فوسونيان، نُقل من الإسكندرية بموافقة مطرانية الأرمن الأرثوذكس برئاسة المطران أشود، إلى جانب نسخة من تمثال ديكران باشا دابرو، ونحو 11 إلى 12 لوحة ذات طابع سياسي أهدتها أسرة الفنان الراحل صاروخان، فضلًا عن وثائق تاريخية من الأرشيف الأرمني الذي تشرف عليه مروشي رميان.

كما أشاد جورج نوبار بدور الاتحاد الخيري الأرمني العام في مصر، وكريس فيتاريان، والدكتور محمد رفعت الإمام، في إنجاز المعرض، قبل تكريم فريق العمل الذي شارك في إعداد الكتاب.

السفير يوسف زادة: المجتمع المصري مزيج من أصول متعددة
وفي كلمة وزارة الخارجية، أكد السفير يوسف زادة أن الجالية الأرمنية تحظى باهتمام المصريين، مشيرًا إلى أن المجتمع المصري بطبيعته يتكون من مزيج من أصول متعددة.

ووجه التحية إلى الأرمن المصريين وإلى جمعية القاهرة الخيرية الأرمنية العامة، تقديرًا لما قدموه لمصر، موضحًا أنه اطلع على ملخص من الإصدار الجديد.

ونقل السفير تحيات وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، الذي حالت ارتباطاته بسلسلة من المؤتمرات الأفريقية التي تستضيفها مدينة العلمين، إلى جانب مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، دون حضوره الأمسية.

«الآباء المؤسسون للخارجية المصرية».. صراع الباشا والبيك
وفي محاضرته التي تناول خلالها بدايات تأسيس الخارجية المصرية على يد بوغوص بك يوسفيان، وما واجهه من صعوبات ودسائس، تحدث الدكتور محمد رفعت الإمام تحت عنوان «الآباء المؤسسون للخارجية المصرية: صراع الباشا والبيك ضد الغازي والغزاة»، في إشارة إلى محمد علي باشا وبوغوص بك يوسفيان، في مواجهة الدولة العثمانية من ناحية، وفرنسا وبريطانيا من ناحية أخرى.

واستعرض الإمام الخلفية التاريخية التي سبقت تأسيس الوزارة، بدءًا من تحول مصر بعد الحكم العثماني إلى ولاية تابعة، مرورًا بمحاولة علي بك الكبير الانفلات من السيطرة العثمانية، ثم الحملة الفرنسية على مصر.

وتوقف عند ما وصفه بـ«المصادفة التاريخية»، مشيرًا إلى أن محمد علي وبوغوص يوسفيان، وهما من خارج مصر، وصلا إليها في زمن الحملة الفرنسية؛ الأول جنديًا غير نظامي في الجيش العثماني، والثاني مترجمًا للإنجليزية والتركية لدى سيدني سميث، قائد الأسطول البريطاني.

وأوضح أن الرجلين أصبحا لاحقًا من أبرز الشخصيات التي أسهمت في بناء مؤسسات الدولة المصرية الحديثة، وفي مقدمتها جهاز العلاقات الخارجية.
وأشار المحاضر إلى أن محمد علي، بعد عام 1811، عمل على تطوير الإدارة والجيش، ووضع أساس جيش نظامي أصبح نواة للجيش المصري الحديث، مستفيدًا من حروبه في الحجاز والسودان، فيما كان يسعى إلى نقل تجربته من مصر إلى إسطنبول.

واعتبر الإمام أن بناء الدولة الحديثة قام على ثلاثة أضلاع رئيسية؛ جيش قوي، واقتصاد متماسك، وواجهة سياسية ودبلوماسية خارجية، وهو ما مهّد لإنشاء جهاز متخصص لإدارة العلاقات الخارجية.

«آلام المخاض».. تأسيس الخارجية وسط ضغوط دولية
وأكد الدكتور محمد رفعت الإمام أن تأسيس الخارجية المصرية لم يكن عملية سهلة، في ظل ضغوط من روسيا والدولة العثمانية وبريطانيا والنمسا، موضحًا أنه عاد إلى أرشيفات مصرية وعثمانية وروسية وبريطانية ونمساوية وإيطالية وألمانية، للبحث في ظروف نشأة الخارجية المصرية خلال تلك المرحلة.

وتناول الفترة بين عامي 1826 و1829، التي وصفها بـ«آلام المخاض»، موضحًا أن بوغوص يوسفيان كان قبل عام 1826 يتولى، بصفته باشترجمان محمد علي، إدارة الملفات المتعلقة بالعلاقات التجارية والخارجية والدبلوماسية.

ومع توسع التجارة الخارجية المصرية، برزت الحاجة إلى إنشاء ديوان متخصص، فأنشئ في الإسكندرية «ديوان التجارة»، وتولى بوغوص رسميًا رئاسته في أبريل 1826 بلقب «ناظر ديوان التجارة».

وأوضح الإمام أن السنوات التالية شهدت محاولات وضغوطًا هدفت إلى عرقلة المؤسسة الجديدة، إلا أن بوغوص بك يوسفيان، بالتعاون مع محمد علي باشا، تمكن من تجاوز تلك العقبات، لتصبح المؤسسة الوليدة النواة الأولى لوزارة الخارجية المصرية.

وتأتي الأمسية وإصدار الكتاب في إطار توثيق الدور الذي أدته الشخصيات الأرمنية في تاريخ مصر الحديث، وتسليط الضوء على إسهاماتها في بناء مؤسسات الدولة، بما يعكس جانبًا من تاريخ المجتمع المصري وتعدد روافده الثقافية والوطنية.