بقلم/ الجنرال جوزيف عبيد   
تعلّمت أن الحياة لا تُقرأ في الكتب وحدها، بل تُقرأ في الوجوه، وفي المواقف، وفي الأيام التي تمرّ بنا ولا تعود.

تعلّمت أنني لم أكن بحاجة إلى أن أقرأ كثيرًا كي أفهم الحياة؛ فقد قرأت منها ما يكفي في سنوات العمر، وقرأت في الناس ما جعلني أدرك أن بعض الدروس لا تأتي من الكتب، وإنما تأتي من التجربة.

رأيتُ الغدر في عيون بعض الأقارب، فتعلّمت الحذر.
ورأيتُ القسوة في عيون من أحببت، فتعلّمت الصمت.
ورأيتُ النكران من أقرب الأصدقاء، فتعلّمت ألّا أنتظر الوفاء من الجميع.

تعلّمت أن الناس لا تُعرف بكثرة الكلام، بل بالمواقف، وأن موقفًا واحدًا قد يكشف لك حقيقة إنسان أكثر مما تكشفه سنوات طويلة من المعرفة.
تعلّمت أن بعض الناس يتغيّرون عندما تتغيّر الظروف، وأن من يرافقك في أيام القوة ليس بالضرورة من يبقى إلى جانبك في أيام الانكسار.

وتعلّمت أن المحبة ليست كلمات تُقال، ولا وعودًا تُطلق، بل مواقف تُثبتها الأيام.

رأيتُ أناسًا يقتربون عندما تكون قادرًا على العطاء، ويبتعدون عندما تحتاج أنت إلى من يقف إلى جانبك؛ فتعلّمت أن أفرّق بين من يحبني، ومن يحب ما أستطيع أن أقدمه.

تعلّمت أن الخسارة ليست دائمًا خسارة. أحيانًا تخسر شخصًا فتربح نفسك، وتخسر ثقتك بإنسان فتربح بصيرةً في الحياة.

تعلّمت أن الصمت ليس ضعفًا، وأن الابتعاد ليس هروبًا، وأن التسامح لا يعني أن ننسى ما حدث، بل أن نضعه في مكانه الصحيح ونكمل الطريق.

وتعلّمت أن ليس كل من عارضك يكرهك، وليس كل من وافقك يحبك؛ فالحياة علّمتني أن الحقيقة لا تُقاس بعدد الذين يصفقون لها، بل بقدرتها على الصمود أمام الاختلاف.

وتعلّمت أيضًا أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة في حياته: مالًا، أو موقعًا، أو فرصة، ثم يبدأ من جديد. لكنه إذا خسر قناعته، فقد خسر جزءًا من نفسه.
لذلك تعلّمت ألّا أندم على موقف اتخذته عن قناعة، حتى لو أثبتت الأيام أنني أخطأت. فالخطأ الذي يأتي من قناعة صادقة يمكن تصحيحه، أما أن يعيش الإنسان وفق ما يريده الآخرون، فتلك خسارة أكبر من الخطأ نفسه.

تعلّمت أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما تركته السنوات فينا من فهم، وبما جعلتنا عليه التجارب من قدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف، وبين من يبقى ومن يمر.

تعلّمت أن بعض الذين مرّوا في حياتنا كانوا درسًا، وبعضهم كانوا نعمة، وبعضهم كانوا امتحانًا، وقليلون كانوا وطنًا.

وتعلّمت أن الحياة لا تمنح دروسها مجانًا. لكل درس ثمن، ولكل تجربة أثر، ولكل جرح حكاية. لكن الأهم ليس كم دفعنا من ثمن، بل ماذا تعلّمنا بعد أن دفعناه.
وتعلّمت أخيرًا أن الحياة هي الكتاب الذي لا تنتهي صفحاته. كل يوم فيها صفحة جديدة، وكل إنسان حكاية، وكل تجربة درس.

تعلّمت... وما زلت أتعلم.
فما دام في العمر يوم جديد، ففي الحياة درس جديد...
جوزف س. عبيد