الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
الوحي الذي لم ينتهِ
بالأمس حضرت محاضرة طويلة للّاهوتيّ الهولنديّ إريك بيرخمان Erik Borgman عن "الوحي". وخرجت منها بسؤال مقلق: إلى أي حد لم نزل في الشرق الأوسط نفكّر في الوحي بعقلٍ لاهوتيّ قديم جدًّا ومتحجّر؟
 
منذ قرون، يدور جزء كبير من صراعاتنا الدينيّة حول النصّ: ماذا قال؟ من يملك تفسيره؟ أي قراءة هي الصحيحة؟ كيف ندافع عن الصيغة التي وصلتنا؟ ومع كثرة هذا الاشتباك صار الوحي نفسه، في المخيال الدينيّ، شيئًا جامدًا تقريبًا: حقيقة اكتمل فهمها في الماضي، ومهمّة المؤمن أن يحرسها كما هي!
بيرخمان يعيدنا في تفكيره بشأن الوحي إلى خطٍّ عميق في لاهوت الكنيسة، من الكاردينال جون هنري نيومان إلى المجمع الڤاتيكانيّ الثاني: التقليد حيّ، والفهم ينمو، والكنيسة لم تنتهِ بعد من اكتشاف معنى ما أُعطي لها في المسيح.
 
وهذا الكلام خطير جدًا نظرًا إلي واقع الأصوليّة المتجمّدة. فإذا كان الله قد أعلن ذاته في المسيح، وإذا كان المسيح قد دخل التاريخ فعلًا، فالتاريخ لا يمكن أن يصير مكانًا محايدًا لا علاقة له بالوحي. هنا نفهم لماذا يتكلّم المجمع الفاتيكاني الثاني  عن «علامات الأزمنة». الله حاضر في التاريخ، والروح يعمل في العالم، والكنيسة مدعوّة إلى أن تتعلّم كيف ترى.
 
لهذا تستطيع الكنيسة أن تتعلّم من الثقافة، ومن خبرات البشر، ومن الأجيال الجديدة، ومن الفقراء والمهمّشين، بل حتّى من نقد الملحد. فالملحد قد يكشف للمؤمن صورةً مشوّهة عن الله كان المؤمن قد ورثها ودافع عنها طويلًا.
 
قال بيرخمان: الله موجود أيضًا لمن لا يؤمن به. وإلّا صار الله فقط فكرة داخل رأس المؤمن. وهذا يغيّر طريقة التفكير كلّها. فالكنيسة لا تدخل العالم مثل من يحمل الله إلى مكان غاب عنه الله؛ هي تدخل العالم لتكتشف أيضًا أين يعمل الله قبل وصولها. وهذا يفسّر شيئًا آخر في المجمع الفاتيكانيّ الثاني: الثقافات لا تتلقّى من الكنيسة فقط.
 
الكنيسة نفسها تتلقّى منها. فكما احتاج آباء الكنيسة إلى الفلسفة اليونانيّة كي يصوغوا بعمق أكبر ما يؤمنون به عن المسيح والثالوث، تظلّ الكنيسة في حاجة إلى التاريخ والثقافات والأسئلة الجديدة كي تفهم بصورة أعمق ما أُعطي لها.
 
بالتأكيد، كل هذا يحتاج إلى تمييز، فليست كل حركة في التاريخ علامةً من الله، وليس كلّ جديد تقدّمًا. لذلك تُقرأ «علامات الأزمنة» على ضوء الإنجيل الحيّ والفاعل. المشكلة عند الأصوليّة أنّها تخاف من هذه الحركة. فهي تحتاج إلى نصّ مغلق، ومعنى مغلق، وعالم مغلق، لأنّ أي تاريخ جديد يبدو لها تهديدًا للحقيقة.
 
أما الإيمان الحيّ فيعرف شيئًا آخر: الحقيقة لا تخاف من التاريخ. لقد اكتمل الوحي في المسيح، لكنّ فهمنا له لم يكتمل بعد.   والكنيسة التي تتوقف عن الاكتشاف، تبدأ ببطء في تحويل الوحي إلى متحف، وتصبح هي كنيسة مومياء، محنّطة، لا حياة فيها.