(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
مقدمّة
أواصل تقديمَ حزمةٍ مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الفرنسيّة (باريس، ولورد، ومتز)، من الـ25 إلى الـ28 من سبتمبر/أيلول للعام الجاري (2026). وهذه الرسائل مستقاةٌ بدورها من أحاديثه وخطاباته أثناء المحطّات المتنوّعة من زيارته الرسوليّة لفرنسا. وهذه هي الحلقة الثانية.
6. ماهيّةُ الإنسان وكرامةُ كلّ إنسانٍ، ولا سيّما المرضى
+ «أمامنا سؤال أساسيّ يستحقّ أن نتعمّق فيه في هذه الجمعيّة، وهو سؤال يُخاطبنا بإلحاح: ماذا يعني أن نكون بشرًا؟ كلّ ثقافة تُسأل بهذا السّؤال، كلّ شكلٍ من أشكال المعرفة، وكلّ فنّ وكلّ دين. حتّى في القرن الحادي والعشرين، لا يمكننا، في نهاية المطاف، أن نفترض أنّنا نعرف من هو الإنسان أو ماذا يعني أن نعيش كإنسان. في الواقع، كلّ جيل مدعوّ إلى أن يواجه هذا السّؤال، لا سيّما أمام المآسي التي لا تزال تتكرّر للأسف حتّى اليوم.
أوّلًا، الإنسان هو الذي يُحبل به ويُولد، ولذلك، أنّ نكون بشرًا يعني، قبل كلّ شيء، أن نكون أطفالًا. لم يختر أيّ واحد منّا أن يكون كذلك. ولم يقرّر أحد منّا مِمَّن، أو متى، أو أين يولد. هذه الحقيقة الواضحة تسلّط الضّوء على أمر ليس فقط بيولوجيًّا، بل أخلاقيًّا أيضًا: فنحن كلّنا مثل الأطفال، إخوة وأخوات. منذ البدء، إنسانيّتنا هي عطيّة واختبار، ووعد ومسؤوليّة. بالنّسبة إلى كلّ إنسان، الولادة تؤسّس رابطةً أصيلة، ووحدة وشركة حياة، تجد مصدرها وبيئتها التربويّة الأولى في العائلة.
ثانيًا، كلّنا نولد عُراة ومحتاجين. نحن فقراء بطبيعتنا: نحتاج إلى الخبز والكلام، وإلى العناية والمحبّة، أي إلى كلّ ما يغذّي الجسد والرّوح. نحن نعلَم ذلك جيدًّا، مع ذلك، عندما نصير راشدين، نوشك أن ننسى ذلك [...] ننسى أنّ الحياة عطيّة ونحسبها شيئا نملكه. وليست وديعة تحتاج إلى المسؤوليّة والعناية [...] ثالثًا، إنّ إبقاء ذكرى إنسانيّتنا المشتركة حيّة يعني الاعتراف بكبرها، أي بإمكاناتها الهائلة، رغم أنّها مجروحة بأشكال كثيرة من الشّرّ والظّلم [...] لذلك، أن نكون بشرًا يقتضي منّا مسؤوليّة أمام التّاريخ: فالإنسان هو مَن ينمو ويتعلّم ويعمل بيديه وعقله» [10].
+ «أعلم أنّ الأفق قد يبدو قاتمًا ومبهمًا ولا مخرج منه بالنّسبة إلى بعضكم، بسبب بعض الأمراض والآلام الرّهيبة أحيانًا. ولكن يجب ألّا يجعلكم أيّ قانون بشريّ تفقدون الثّقة بكرامتكم. بل العكس، باسم هذه الكرامة غير القابلة للتصرّف التي يتمتّع بها الإنسان تحديدًا، يجب رفض تجربة إنهاء الحياة بحجّة تعاطف زائف رفضًا قاطعًا. من المستحيل اعتبار إنهاء الحياة أمرًا طبيعيًّا. ما يقرّه القانون ليس بالضّرورة أخلاقيًّا» [11].
7. التربيةُ والعِلم والثقافة والذكاء الاصطناعيّ والتعليم الكاثوليكيّ
+ «في الواقع، تعزيز التّربية والعلوم والثّقافة مستحيل من دون تعزيز حياة الرّجل والمرأة، اللذين هما أساسيّان في هذه الحياة. في مجال التّربية، الكنيسة الكاثوليكيّة تقدّم خبرة عريقة جدًّا: فمنذ قرون، تفتح جماعاتها المدارس والجامعات، وتعلّم القراءة والكتابة، وهي حاضرة حتّى في أفقر الأماكن وأبعدها [...] فما من تربية تكتمل إن لم تتناول مسألة المعنى. ذكّر القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني بذلك في الكلمة نفسها: التّربية تعني مساعدة الإنسان لكي "يكون"، لكي يزداد الكيان فيه، لا لكي "يملك" أكثر فقط، وذلك بإدراك السّموّ الذي فيه وفيه كمال إنسانيّته (راجع المرجع نفسه، 10-11) [...] في الواقع، نحن نؤمن، بأنّ التّربية هي الأداة التي تسمح بتجاوز المخاوف المتبادلة، وأنّ العِلم يستطيع أن يكون في خدمة حياة كلّ إنسان، وأن يزرع اليوم بذور حصاد طيّب للمستقبل. هذه الثّقة تغذّي رجاءنا في المحبّة، أي في الخدمة من أجل خير القريب: فإن كرّسنا جميعًا أنفسنا، بانسجام، لإنسانيّتنا الرّائعة، سيتمكّن السّلام أخيرًا أن يزهر» [12].
+ «الذّكاء الاصطناعيّ يفاقم هذه المشكلة: فعلى الرّغم من أنّ هذه الأنظمة تستطيع الرّبط بين البيانات، فإنّها لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بمعنى الحياة البشريّة، الذي يتجذّر في الخبرة المعاشة. والبشر لا يستطيعون أن يعيشوا من دون معنى. فالمعنى هو أكسجين العقل. لذلك، فإنّ تحديّات التّواصل، وهي دائمًا تحديّات تربويّة، تجعل البحث عن الحقيقة مسألة عدالة اجتماعيّة وإنصاف تاريخيّ. لهذا، فإنّ التّربية في هذا المجال أمر أساسيّ، وأنا أرحّب بمبادرة اليونسكو من خلال برنامج محو الأمّيّة الإعلاميّة والمعلوماتيّة، الذي يعزّز الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام والأدوات الرّقميّة» [13].
+ «فالتّربية رسالة واسعة جدًا، تمسّ مجالات متعدّدة من الحياة. أودّ أن أشير ببساطة إلى مجال التّعليم الكاثوليكيّ، الذي يجري التّشكيك في "طابعه الخاصّ" في هذه الأزمنة. من الإيجابي أن تكون مؤسّسات التّعليم الكاثوليكي منفتحة على نطاق واسع أمام الذين لا يشاركوننا إيماننا. فهذا الاستقبال السّخيّ، مع احترام حرّيّة ضمير كلّ شخص، يبشّر بثمار كثيرة للجميع وللمجتمع وللكنيسة نفسها. لكن التّعليم الكاثوليكيّ لا يستطيع، بأيّ حالّ من الأحوال، أن يتخلّى عن مشروعه التّربوي الخاص، وهو مشروع يتمحوّر حول المسيح ويهدف إلى إنماء الإنسان إنماءً متكاملًا في جميع أبعاده: الرّوحيّة والثّقافيّة والفكريّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. لذلك، يجب ألّا يستغرب أحد الفرصَ المتاحة، داخل كلّ مؤسّسة كاثوليكيّة، للقاء يسوع المسيح والاصغاء إلى كلمته. وبالأحرى، يجب ألّا يجد أيّ تلميذ نفسه مهمّشًا في صفّه لمجرّد أنّه يؤمن بيسوع» [14].
8. العلمانيّةُ الحقيقيّة والصحيحة وحقُّ الكنيسة في التبشير
+ «في الواقع، "العلمانيّة الحقيقيّة لا تستبعد البعد الدّينيّ، بل تعرف، على العكس، كيف تستفيد منه بوصفه موردًا تربويًّا" (كلمة إلى المشاركين في الاجتماع الوطني لمعلّمي الدِّين الكاثوليكيّ، 25 نيسان/أبريل 2026) [...] من ثمّ، لا تعني العلمانيّة الصّحيحة إقصاء الدِّين من المجال العام أو من التّربية، بل تعني العمل لكي تتحاور الدّولة والمؤسّسات الدّينيّة معًا، وتوحّد قواها في خدمة الخير العام، لكي تكون للعالم الحياة» [15].
+ «انهضوا إذًا برجاء، ولا تتعبوا أبدًا من إعلان الإنجيل! [...] أنتم تعيشون حاليًّا في سياق علمانيّة شديد الخصوصيّة، هو ثمرة تاريخ مضطرب، صار اليوم مسالمًا، لكن يجب عليه أن يُتيح للكنيسة أن تقوم برسالتها. إنّ التوازن الذي تمّ التوصّل إليه بصعوبة، بدأ يوُضع تدريجيًّا موضع تساؤل، كما يحدث في أماكن أخرى من العالم الغربيّ، وهذا يجب ألّا يقودكم إلى الاستسلام. أدعوكم إلى أن تكونوا يقظين، لتدافعوا عن حرّية الكنيسة وحقّها في إعلان البشارة، والتّربية على الحرّيّة الحقيقيّة، وممارسة العبادة العلنيّة، لكي تتمكّن المحبّة، بصورة مرئيّة، من أن تُمارَس باسم يسوع المسيح» [16].
9. وَحدةُ العائلة البشريّة ما بين برجِ بابل وساحةِ العَنصرة العامّة
+ «أودّ أن أستند إلى صورَتَين من الكتاب المقدّس، مستوحاتَين من كنز البشريّة الثّقافي الكبير: برج بابل وساحة العنصرة العامّة. أقدّمهما بوصفهما طريقَتَين لتمثيل وَحدة العائلة البشريّة، المدعوة اليوم أيضًا باستمرار إلى معرفة اتّجاهها الصّحيح ومعنى التّاريخ الذي تعيشه. في الواقع، قصص الكتاب المقدّس تصوّر شكلين من أشكال الحياة الاجتماعيّة تدعونا إلى أن نتأمّل في ظروف زمننا.
برج بابل يمثّل وحدةً فُرضت بالهيمنة (راجع تكوين 11، 4). في الوقت نفسه، هذا الصّرح يكشف أنّه كلّما سعت السُّلطة إلى القهر، سعت في الوقت نفسه إلى إضعاف نفسها، وكشفت عن وجهها اللاإنساني. نرى ذلك في الآلام والظّلم اللذين يسبّبهما الاستبداد، وكذلك في أشكال الاستغلال التي تجرح المجتمع والبيئة معًا.
وكما يعلّمنا التّاريخ، انغمست إمبراطوريّات كثيرة في الفساد، قبل أن يلتهمها هذا الفساد نفسه وتنهار مثل البرج. نتيجة هذه الكبرياء، التي ترفع ثمّ تضع، هو التشتّت. فافتراض الإنسان أن يجعل نفسه مثل الله وأن يُخضِع الشّعوب لنير واحد، يقود إلى بلبلة اللغات والعجز عن فهم بعضنا بعضًا. بدلًا من أن يبلغ برج بابل السّماء، كما افترض أن يفعل، ينهار، فتنتج عن ذلك عاقبتان سلبيّتان. وكما كانت الوَحدة التي فرضها قسرية، تصير كذلك التعدّدية التي تعقب انهياره مصدرًا للصراع. اليوم، إغراء بابل يعود في عولمة تُلاحَق من دون أخوّة، وفي أشكال نهب من الاستعمار الجديد، وفي فرض
الإيديولوجيّات، وفي كلّ تلك "الاتّصالات من دون روابط" التي تحصر الحياة البشريّة في تجارة (راجع اللجنة اللاهوتيّة الدّوليّة، إلى أين، أيّتها البشريّة؟، 42). حتّى العِلم، عندما يُحصر في تقنية للسُلطة، لا يعود في خدمة الارتقاء بالإنسان، بل يعرّض ثمار الجهد البشريّ لخطر الانحطاط [...]
فساد الثّقافة الذي نتأمّله يجد خلاصه في ساحة العنصرة العامّة. هناك، تُستقبل رسالة سلام هي خبر سارّ لكلّ شعب. هذا الإعلان يبشّر بقيامة يسوع من بين الأموات، أي بانتصار الحياة على الموت، وبالخلاص الذي يمنح الرّجاء للعالم. في يوم العنصرة، تصير السّاحة العامّة مكانًا يُحتفل فيه بالسّلام الذي يشفي كلّ إساءة إلى الإنسان.
ويَسمع كلّ واحد هذه الرّسالة "بلغته الأمّ"، ولا تقمع الوَحدة والشّركة بأيّ حال من الأحوال التنوّع (راجع أعمال الرّسل 2، 8 ). بل تتيح للتنوّع أن يزدهر في انسجام الأصوات والوجوه. في إعلان السّلام، تصير غنى الثّقافات حاملًا لحقيقة شاملة [...] فليست هيمنة بابل، بل سلام العنصرة، هي التي تجعل هذه الوَحدة والشّركة بين جميع الشّعوب ممكنة. لذلك، كلّ ثقافة تبلغ حكمتها عندما تتكلّم على السّلام وخير الجميع، وتشهد لمعنى إنسانيّتنا الأصيل» [17].
حواشي
[يُتبَع]





