د.ماجد عزت إسرائيل
في الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر 1973م، لا نستعيد مجرد صفحات من كتاب التاريخ، ولا نتوقف فقط أمام خرائط القتال وأسماء القادة وخطط العبور، بل نستعيد زمنًا كاملًا عاشته مصر تحت وطأة الخوف والانتظار والتضحية، وعاشه جيل عرف معنى أن يصبح الوطن كله جبهة، وأن تدخل الحرب إلى البيوت كما تدخل إلى ميادين القتال.
فأجيال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات لا تحتاج إلى كثير من الشرح لتفهم معنى الحرب؛ فقد عاشت سنوات طويلة بين حرب 1948م، والعدوان الثلاثي عام 1956م، ونكسة يونيو 1967م، ثم حرب أكتوبر 1973م. وكانت كل حرب تترك وراءها جرحًا جديدًا، وتستهلك من موارد الدولة، وتعطل مسيرة البناء، وتفرض على الناس حياة ثقيلة يختلط فيها الأمل بالخوف، والصبر بالقلق، وانتظار الغائب بالدعاء أن يعود سالمًا.
كانت مصر في تلك السنوات تدفع ثمنًا باهظًا من دم أبنائها ومن قوت شعبها ومن فرص التنمية التي كان يمكن أن تذهب إلى مدرسة أو مستشفى أو مصنع أو بيت جديد. ولم تكن الحرب خبرًا عابرًا في نشرة المساء، وإنما كانت واقعًا يوميًا يقتحم البيوت. أم تودع ابنها إلى الجبهة، وزوجة تنتظر رسالة، وطفل يراقب وجوه الكبار ليفهم منها ما لا تقوله الكلمات، وأسرة كاملة تعيش بين الدعاء والخوف. ولم يكن يكاد بيت يخلو من قريب أو صديق أو جار عرف طريق الجبهة، أو حمل جراحها، أو ارتقى شهيدًا في سبيل الوطن.
ثم جاءت نكسة يونيو 1967م، وكانت من أقسى اللحظات التي مرت على الوجدان المصري في العصر الحديث. لم تكن الخسارة يومها خسارة أرض فحسب، بل كانت صدمة ضربت الشعور العام، وهزت الثقة، وأثقلت النفوس بإحساس مرير بالهزيمة. غير أن الشعوب العظيمة لا تقاس فقط بما تحققه في لحظات القوة، بل بما تفعله حين تنكسر.
وهنا بدأت مصر تكتب واحدة من أكثر صفحاتها صلابة، إذ لم يتحول الألم إلى استسلام، ولم تصبح النكسة خاتمة الطريق، بل كانت بداية لإعادة البناء، وإعادة ترتيب الصفوف، واستعادة الثقة، والإعداد لليوم الذي تعود فيه الأرض ويسترد فيه الوطن كرامته.
وفي تلك اللحظة التاريخية تراجعت أمام مصر كثير من الاختلافات. لم يعد هناك متسع لأن يصبح الاختلاف الديني أو الفكري أو الاجتماعي حائطًا يفصل بين أبناء الوطن. فأدرك الجميع أن الخطر واحد، وأن الجرح واحد، وأن الأرض التي ضاعت هي أرض الجميع، وأن استعادتها مسؤولية لا تخص فئة دون أخرى. المسلم والمسيحي، العامل والفلاح، الطالب والأستاذ، الجندي والمدني، جميعهم وقفوا على اختلاف مواقعهم في معركة واحدة. كانت مصر كلها، بمعنى الكلمة، جبهة واحدة.
ومن هنا جاءت قيمة تلك السنوات التي سبقت أكتوبر. فقد بدأ بناء القوات المسلحة من جديد، وأُعيد تنظيمها وتسليحها وتدريبها، واستُعيدت الثقة في المقاتل المصري، بينما تحمل المجتمع في الداخل أعباءً اقتصادية واجتماعية هائلة. لم يكن البناء عسكريًا فقط، بل كان بناءً للإرادة نفسها. كان المطلوب أن يؤمن الإنسان المصري من جديد بأنه قادر على تغيير ما حدث، وأن الهزيمة ليست قدرًا نهائيًا، وأن ما ضاع يمكن أن يعود بالإعداد والعمل والصبر.
وعندما جاء السادس من أكتوبر 1973م، لم يكن عبور قناة السويس حدثًا عسكريًا فحسب، بل كان عبورًا نفسيًا ومعنويًا لشعب كامل. فعبر الجنود القناة، واقتحموا المواقع الحصينة، ورفعوا العلم المصري، لكن في اللحظة ذاتها كان شيء آخر يعبر داخل وجدان المصريين: عبور من الإحباط إلى الثقة، ومن الانكسار إلى العزة، ومن الخوف إلى اليقين بأن الإرادة تستطيع أن تصنع المستحيل متى اجتمع الناس حول هدف واحد.
وحكايات أكتوبر لا تختصرها البيانات العسكرية، مهما كانت عظيمة. فخلف كل معركة آلاف الحكايات الإنسانية التي لم تجد طريقها إلى الكتب. جندي يعرف أن أمه تنتظره، ولكنه يتقدم. أم تخفي دموعها حتى لا تزيد خوف ابنها قبل سفره. طبيب يقضي ساعات طويلة في استقبال الجرحى. عامل يواصل عمله في المصنع لأنه يعلم أن ما ينتجه جزء من المعركة. أسرة فقدت ابنًا لكنها ظلت ترى في تضحيته جزءًا من كرامة وطن بأكمله. هذه الحكايات الصغيرة هي التي صنعت الحكاية الكبرى.
ولهذا فإن بطولة أكتوبر لم تكن حكرًا على من حمل السلاح، رغم عظمة ما قدمه جنود مصر وقادتها، بل كانت بطولة مجتمع كامل عرف أن لكل إنسان مكانًا في معركة الوطن. من قاتل في الجبهة كان خلفه شعب يحمل معه العبء نفسه، ويفهم أن النصر لن يتحقق إلا إذا تماسك الداخل بقدر ما تماسكت خطوط القتال.
وإذا كان نصر أكتوبر 1973م قد أعاد لمصر ثقتها وفتح الطريق أمام استرداد الأرض، فإن الدرس الأعمق الذي بقي منه هو أن الهدف لم يكن الحرب من أجل الحرب. من عاش القصف والانتظار والفقد لا يعشق الحرب، بل يعرف أكثر من غيره قيمة السلام. ومن رأى موارد بلاده تتجه إلى السلاح يدرك معنى أن تتجه هذه الموارد إلى البناء. ومن ودع أبناءه إلى الجبهة يعرف أن أعظم الأمنيات هي أن يأتي يوم يذهب فيه الأبناء إلى جامعاتهم وأعمالهم لا إلى ساحات القتال.
ولهذا كان استرداد الأرض واستعادة الكرامة طريقًا إلى الاستقرار، لا دعوة إلى حرب لا تنتهي. فالسلام الحقيقي لا يقوم على الضعف ولا على التفريط، وإنما يقوم على وطن قادر على حماية حقوقه، وشعب يعرف قيمة أرضه، ودولة تستطيع بعد أن تصون كرامتها أن تتفرغ للبناء والتعليم والعمل وصناعة المستقبل.
وبعد مرور ثلاثة وخمسين عامًا على حرب أكتوبر، ربما تكون حاجتنا اليوم إلى روح أكتوبر أكبر من حاجتنا إلى مجرد استعادة صور المعركة. نحتاج إلى أن نتذكر كيف التقت قلوب المصريين رغم اختلافاتهم، وكيف أصبح الوطن آنذاك أكبر من الخصومة، وكيف أدرك الجميع أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام، وأن التنوع لا يصبح خطرًا ما دام يجتمع تحت سقف وطن واحد.
فالأوطان لا تبنى بالكراهية، ولا تتقدم وهي ممزقة بين أبنائها، ولا تستطيع مواجهة التحديات إذا نظر كل فريق إلى الآخر باعتباره خصمًا لا شريكًا. وما صنع قوة مصر في تلك المرحلة لم يكن السلاح وحده، بل كان الشعور بأن المعركة تخص الجميع، وأن مصير الناس واحد، وأن المستقبل لن يبنيه طرف منفرد. فلذلك ستظل حكايات أكتوبر أكبر من حكايات حرب. ستظل حكاية أم انتظرت، وجندي عبر، وشهيد رحل، وأسرة صبرت، وشعب رفض أن تكون الهزيمة نهاية تاريخه. وستظل كذلك حكاية وطن عرف في لحظة مصيرية أن ما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم، وأن الوحدة ليست شعارًا يقال في المناسبات، بل قوة حقيقية تستطيع أن تغير مسار التاريخ.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أكتوبر بهذه الصورة؛ لا باعتباره فقط يوم انتصار عسكري نفتخر به، وإنما تجربة وطنية كاملة تختلط فيها البطولة بالألم، والتضحية بالأمل، والحرب بحلم السلام، والانكسار بإرادة النهوض. فلقد أراد جيل أكتوبر أن يستعيد الأرض، لكنه أراد أيضًا أن يترك لأبنائه وطنًا أكثر أمنًا واستقرارًا وكرامة. ولهذا، فإن الوفاء الحقيقي لذلك الجيل لا يكون فقط بترديد أسماء المعارك والقادة، وإنما بالحفاظ على القيمة التي صنعت النصر: أن يكون الوطن فوق الخلاف، وأن تكون كرامة الإنسان جزءًا من كرامة الدولة، وأن يبقى السلام والبناء هدفًا يستحق كل ما سبق من تضحيات. ففي أكتوبر انتصرت مصر بالسلاح، نعم، لكنها قبل ذلك انتصرت على اليأس، وانتصر أبناؤها على الانقسام، وانتصر في داخلهم شعور عميق بأنهم، مهما اختلفوا، أبناء وطن واحد.
وتلك هي الحكاية التي لا ينبغي أن تشيخ مهما مرت السنوات: أن قوة مصر كانت وستظل في قدرتها على جمع أبنائها حول ما يوحدهم، وأن الأرض تُستعاد بالإرادة، والكرامة تُصان بالقوة، والسلام يُحمى بالوعي، أما المستقبل فلا يبنيه إلا شعب يعرف أن الوطن يتسع للجميع.





