نيفين سوريال
المر مادة عطرية راتنجية تخرج من أشجار تنمو في البيئات الجافة والقاسية. يخرج لحاء الشجرة ويفرز صمغًا ذا رائحة ثم يتماسك وتظهر رائحته المميزة. ومن المدهش أن مادة اسمها مرتبط بالمرارة أصبحت في الكتاب المقدس من أفخر الأطياب، ودخلت في دهن المسحة المقدسة، وقدمت للمسيح عند ميلاده، ثم ظهرت مرة أخرى في أحداث آلامه ودفنه. وكأن قصة المر تحمل رسالة روحية عميقة: قد يسمح الله بالمرارة، لكنه قادر أن يخرج منها رائحة طيبة ومسحة وحياة مكرسة له.

لماذا اختار الرب المر؟
عندما أمر الرب موسى بصنع دهن المسحة المقدسة، بدأ حديثه عن الأطياب بالمر «وأنت تأخذ لك أفخر الأطياب - مرًا قاطرًا خمس مئة شاقل…» خروج 30: 23.

الكتاب نفسه لا يقول صراحة: اختار الله المر لهذا السبب المحدد، لذلك لا ينبغي أن ننسب إلى الله تفسيرًا لم يذكره النص. لكن يمكننا التأمل في الصورة التي يقدمها الكتاب: فأول أحد المر، بما يحمله اسمه من معنى المرارة، وجعله ضمن أفخر الأطياب المستخدمة في دهن المسحة المقدسة. فالشيء المر لم يعد في يد الله مجرد مرارة، بل صار جزءًا مما يخصص ويقدس لخدمته. وهنا تظهر رسالة جميلة لحياة الإنسان: ليس كل ما هو مر في حياتك بلا قيمة.

ففي يد الله يمكن أن تتحول حتى التجارب المؤلمة إلى شيء يحمل رائحة روحية مختلفة.

المر والمسحة:
لم يكن دهن المسحة المقدس عطرًا عاديًا، بل كان مخصصًا لله.

«وتصنعه دهنًا مقدسًا للمسحة… دهن مسحة مقدسًا يكون.» خروج 30: 25.

ثم استخدم لمسح خيمة الاجتماع وأوانيها وهارون وبنيه. وهنا نجد صورة روحية قوية: المر دخل في المسحة قبل أن يدخل في الرائحة. فالحياة مع الله ليست دائمًا راحة بلا ألم؛ أحيانًا تعبر النفس خلال المرارة، لكن الله يستطيع أن يستخدم ما مرت به لتصبح أكثر نضجًا وتكريسًا له.

المر عند ميلاد المسيح:
بعد قرون، يظهر المر مرة أخرى، وهذه المرة أمام الطفل يسوع.

«وخروا وسجدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا: ذهبًا ولبانًا ومرًا.» متى 2: 11.

لم يقدموه أثناء عذاباته، بل هدايا ثمينة. وقد رأى التقليد المسيحي في المر إشارة إلى آلام المسيح وموته، وهي دلالة تصبح مؤثرة جدًا عندما نرى المر يظهر مرة أخرى قرب نهاية حياته الأرضية.

فالمر الذي حضر عند الميلاد، نجده حاضرًا أيضًا عند الموت والدفن.

المر عند آلام المسيح:
عند الصليب يقول إنجيل مرقس «وأعطوه خمرًا ممزوجة بمر فلم يقبل.» مرقس 15: 23 ثم بعد موت المسيح جاء نيقوديموس «وهو حامل مزيج مر وعود نحو مئة منا.» يوحنا 19: 39. وهكذا نجد خيطًا مذهلًا يمر عبر الكتاب: المر في المسحة المقدسة — المر عند ميلاد المسيح — المر عند الصليب — المر عند دفنه. لذلك أصبح المر في التأمل المسيحي مرتبطًا ليس فقط بالمرارة، بل أيضًا بالتكريس والألم والموت والحب والتضحية.

لماذا يوجد المر في حياة الإنسان؟
كل إنسان يمر بأوقات من المرارة: خسارة، رفض، انتظار، ظلم، ألم، خيبة أو صلاة طال انتظار إجابتها. والكتاب المقدس لا يعلمنا أن المؤمن لن يختبر المرارة، بل يرينا رجالًا ونساء لله مروا بها.

«هُوَذَا لِلسَّلاَمَةِ قَدْ صَارَتْ لِي مَرَارَةٌ مُرَّةٌ، وَأَنْتَ تَعَلَّقْتَ بِنَفْسِي مِنْ هُوَّةِ الْهَلاَكِ.» إشعياء 38: 17.

لاحظ أنه لم ينكر المرارة، فقال: «مرارة مرة». لكنه رأى أيضًا يد الله التي أنقذته. وهذه إحدى رسائل المر في حياة الإنسان: الإيمان لا يعني أن تقول إن الألم ليس مؤلمًا، بل أن تعرف أن الألم ليس بالضرورة نهاية القصة.

المرارة التي تتحول إلى حلاوة
ومن أجمل الصور في العهد القديم قصة مياه مارة.

«فلما جاءوا إلى مارة لم يقدروا أن يشربوا مياه من مارة لأنها مرة.» خروج 15: 23.

ثم أرى الرب موسى شجرة، فألقاها في المياه «فصارت عذبة.» خروج 15: 25.

الله كان قادرًا أن يمنع شعبه من المرور أمام المرارة. وهنا تظهر صورة روحية جميلة: الله قادر أن يدخل إلى أكثر مناطق حياتنا مرارة ويغير ما تصنعه المرارة داخلنا. قد تبقى ذكرى التجربة، لكن الإنسان نفسه يتغير.

لا تسمح للمر أن يتحول إلى مرارة في القلب:
هناك فرق بين أن تمر بالمرارة وبين أن تسكن المرارة داخلك.

فملاحظة يقول بولس: «حتى لا يطلع أصل مرارة ويصنع انزعاجًا.» عبرانيين 12: 15.

قد يمر الإنسان بألم شديد، لكن الله لا يريد أن يتحول الألم إلى كراهية أو قسوة أو أصل مرارة. فالمؤمن يمكنه أن يمر بصورة أعمق: يمكن أن تمر المرارة على حياتك، دون أن تصبح أنت إنسانًا مرًا.

من الجرح تخرج الرائحة:
شجرة المر تخرج رائحتها العطرية عندما يشق لحاؤها. وهذه ليست آية كتابية، لكنها تعطينا صورة تأملية جميلة. فالجرح في حياة الإنسان يمكن أن يصنع أحد أمرين:

إما أن يملأ القلب بالمرارة، أو أن يضعه الإنسان في يد الله فيخرج منه رحمة أعمق، وصلاة أصدق، ومحبة أكبر للمتألمين، وقلب أكثر اتكالًا على الله. والذي يميزنا في المسيح ليس فقط أن نتغذى بالدهن، بل هي كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله. 2 كورنثوس 1: 4. فالجرح الذي تعزيت فيه من الله قد يصبح يومًا سببًا لتعزية إنسان آخر.

المر… رسالة للإنسان:
ربما أجمل ما نتعلمه من المر في الكتاب المقدس هو أن المرارة ليست عكس القداسة، والألم لا يعني غياب الله. المر كان من «أفخر الأطياب»، دخل في دهن المسحة المقدسة. قدم للمسيح عند ميلاده، وظهر مرة أخرى عند آلامه ودفنه. لذلك عندما تأتي أيام المر في حياة الإنسان، لا ينبغي أن يظن أن حياته فقدت قيمتها.

ففي يد الله، قد تصبح الأشياء المرة عطرًا.