(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في الذكرى الـ58 لنياحة الأب الكاثوليكيّ رومانو غوارديني أو جوارديني (17 فبراير/شباط 1885 - الأوّل من أكتوبر/تشرين الأوّل 1968)، أواصل تقديمَ لمحاتٍ عن سيرته الحياتيّة، ومؤلَّفاته، وفكره الثيولوجيّ بوجهٍ عامّ وفكره الكريستولوجيّ بوجهٍ خاصّ. 

2. لمحةٌ حول الروح القدس والصّلاة
لم يكتب غوارديني كتابًا منفردًا، وبشكلٍ نظاميّ، عن الأُقنوم الثّالث من الأقانيم الإلهيّة (الرُّوح القُدُس)؛ ليشرح كتابيًّا وتاريخيًّا وعقائديًّا أمورًا متعلقّة به. ومع ذلك، قد تناول هُويةَ رُوح الله والمسيح، وعملَه في الخليقة، وفي المسيح، وفي الكنيسة، وفينا، عبر خَواطره وتأمّلاته الممتدّة على صفحاتٍ عديدة من مؤلَّفاته. ويُقرّ غوارديني بأنّ الحديث عن الرُّوح القُدُس أصعب بكثيرٍ من الحديث عن الابن أو الآب؛ إذ إنّه يخفي ذاته، ليسطع المسيح والآب. إنّه "الإله المتواضع"، الذي يعمل في الخفاء، ويتجرّد من ذاته كاملةً. 

وتكمن الخطوط العريضة والرّئيسيّة لهُويّة الرُّوح القُدُس وعمله، وَفْقًا لفكر غوارديني، في أنّه على صعيد الثّالوث الباطنيّ-الأزليّ ("الله في ذاته")، الرُّوحُ القُدُس حاضرٌ كأقنومٍ في الحوار الإلهيّ-الثّالوثيّ، إذ إنّه الرّابطُ بين أقنوم "الآب-المتكلّم" وأقنوم "الابن-الكلمة". وأمَّا على صعيد الثّالوث التّدبيريّ ("الله في وَحْيه وإعلانه")، فنجد رُوحَ الله والمسيح حاضرًا ومرافقًا وفعّالًا في الخلق الأوّل، والوَحْي، والخلاص، وتجسّد المسيح وحياته وموته وقيامته، والعنصرة، وتاريخ الكنيسة بأسره، والخلق الجديد، والوجود المسيحيّ، والثّقافات الأُخرى. إنّه، بالنّسبة لنا ولكنيسة الله برمّتها، نورٌ، ومعزّي، ومحامٍ، ومساند، وخلّاق، ومقدِّس. إنّ الرُّوح القُدُس هو الذي يحمل "كلَّ واحدٍ منّا نحو درب الخلاص"؛ و"يقود ملكوت الله عبر ظلام وإلتباس الأزمنة"؛ و"يعمل على بُزُوغ الخليقة الجديدة في العالم العتيق القديم".

من جهةٍ أخرى، قد اهتمّ غوارديني بقضيّة "الصّلاة المسيحيّة" في العديد من مؤلَّفاته؛ ولا سيّما كِتابيه: «مدخل إلى الصّلاة» (1943)، و«الصّلاة والحقيقة: تأمُّلات في صلاة "الأبانا"» (1960). فتناول بالدّراسة أهمَّ الجوانب المتعلّقة بحياة الصّلاة؛ فعلى سبيل المثال: أنماطها (اللّيتورجيّ، التّقويّ، الشّخصيّ)، وطُرقها (الارتجاليّة، المحفوظة، اللّفظيّة، الصّامتة، الجماعيّة، الفرديّة)، وأبعادها (الشّكر، طلب الغفران، التّوسُّل، التّسبيح،...)، ومشقّاتها وأزماتها. 

وفي هذا السياق عينه، من ضِمْن قناعات غوارديني الأساسيّة أنّه من دون الصّلاة يضمر كياننا الداخليّ، وتفقد حياتنا جوهرها وقوّتها. ويمكن اختزال النصائح التي يقدّمها حيال صعوبة "الصّلاة في فترات العوز الروحيّ"، في هذه العبارة الوجيزة: إن كنتَ لا تستطيع الصلاةَ في أوقاتٍ معيّنة، فاستمرّ في الصّلاة وثابر فيها. وهذه هي بعضٌ من خَواطره وأقواله الرّائعة عن الصّلاة أيضًا: «أمام وجه الله فقط يقتني الإنسانُ وجهَه الحقيقيّ»؛ «في نهاية المطاف، لا يمكننا أنْ نظلّ مسيحيّين دون أنْ نصلّي، كما أنّه لا يمكننا أنْ نستمرّ في الحياة دون أنْ نتنفّس»؛ «يعتمد مصيرُ حياة المرء، إلى حدٍّ كبير، على كيفيّة صلاته، وكيفيّة صلاة الآخرين لأجله. فالأعمالُ العظيمة كانت دائمًا ثمرة الصّلاة».

[يُتبَع]