بقلم الأب يسطس الأورشليمى
خليقة الله جيدةٌ، ولا يُرفض شيءٌ إذا أخذ مع الشكر،لأنه يُقدس بكلمة الله، والصلاة (1تي3:4-5)..
هذه هي نظرتنا للمادة، لأن الله خلق كُل شيء حسناً، وليس في خليقة الله ما هُو دنس، لكن إذ سقط الإنسان تاج الخليقة الأرضية في الخطية تدنست نظرته، كما دنس بضميره بعض الأشياء بإساءة استخدمها كمن يستخدم الحجارة والذهب والفضة في عبادة الأصنام، فالمادة في ذاتها صالحة لكن الإنسان دنسها بضميره الشرّير، لذا صار تقديسها مرتبطاً بتقديس طبيعته وضميره ونظرته الطاهرة للحياة..
ليس شيء في خليقة الله دنس، والعلاج برشم الصليب..
كُل الأشياء المُوجُودة صالحة، لأن خالقها هُو كُلي الصلاح..
هُناك أمُور ثلاث كسرّ للتقديس: حياة الشكر، وكلمة الله، والصلاة..
هذه الأمُور تُقدم بصُورة فائقة رائعة فريدة في الأفخارستيا حيثُ تنطلق الكنيسة بالرُوح القُدس نحُو الآب السماوي، لتُقدم له الشكر خلال ذبيحة ابنه كلمة الله المتجسد، فيتقبل الآب من الكنيسة حياتها كحياة الشكر وحياة إنجيلية كلمة الله، وحياة صلاة مقبُولة مُقدسة لديه..
لهذا يُقدم لها ينبُوع تقديس بلا حدُود خلاله، ليس فقط يُقدس أرواحهُم وأجسادهُم فحسب، وإنما يُقدس أيضاً المادة على أعلى مستوى، حيثُ يتحول الخبز والخمر إلى جسد الرّب ودمه الأقدسين..
هذا هُو التعليم الصحيح الذي نشأ عليه تيمُوثاوس، واستلمه من الرسُول بُولس، أن كُل خليقة الله صالحة، وإن ما قد دنسه الإنسان يتقدس بالشكر، والكلمة الإلهية، والصلاة، لذلك يقُول الرسُول:
إن فكّرت الإخوة بهذا، تكُون خادماً صالحاً ليسُوع مُتربياً بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعته.
لقد تربى تيمُوثاوس على الإيمان المستقيم بعيداً عن الأضاليل، وها هُو ملتزم أن يُفكر الإخوة بهذا الإيمان، لا أن يأمرهُم لأن الراعي الحقيقي هُو الذي لا يأمر ولا يتعالى على المخدُومين..
ويقُول الرائي عن هُؤلاء الشيُوخ الأربعة والعشرين: ولهُم جامات من ذهب مملُوءة بخُوراً هي صلُوات القديسين، ألا يدل هذا على شفاعة هُؤلاء الشيُوخ الذين أمام العرش في توصيل الصلُوات لله..
ألا يذكرنا هذا بما يفعله الأب الكاهن، حينما يمر بالبخُور أثناء قراءة البُولس على الشعب، ثم يعُود إلى الهيكل ويقُول: يا الله الذي قبل اعتراف اللص على الصليب، اقبل إليك اعترافات شعبك، فيا ليت كُل واحد أثناء مرُور الأب الكاهن بالبخُور، يُقدم طلباته إلى الله، لكي تجمع هي أيضاً وتدخل في الجامات الأربع والعشرين لهُؤلاء الشيُوخ..
ما معنى أن صلُوات القديسين تصعد إلى الله كرائحة بخُور؟!
رائحة البخُور دائماً تصعد إلى فُوق، وكذلك صلُوات القديسين، تصعد كرائحة بخُور، لأن البخُور رائحته زكية تدخل إلى السماء كنسيم عطر، يتنسم الرّب منها رائحة الرضا، راجع (تك21:8)..
وصلُوات القديسين تشبه برائحة البخُور، لأن البخُور يحترق بالنار أولاً، ثُم يصعد إلى فُوق، ولا يمكن أن يصعد إلى فُوق إلاّ إذا احترق أولاً، هكذا القديسُون يسكبُون ذُواتهُم، والمحّبة التي في قلُوبهُم مثل النار، تحول صلواتهُم إلى بخُور، فتشتعل وتفُوح، وتصعد وتنتشر..
فلتستقم صلاتي كالبخُور قدامك، وليكن رفع يدي كذبيحة مسائية، نقُول هذا، لأن ليست كُل صلاة تصعد إلى فُوق، بل هُناك خطايا تجذب صلُوات البعض إلى أسفل فلا تصعد، مثال صلُوات المرائين الذين يحبُون أن يصلُوا قائمين في المجامع، لكي يظهرُوا للناس..
حقاً إن كُل صلاه مخلُوطة بالبرّ الذاتي لا يقبلها الله، كصلاة الفريسي كذلك صلاة الحقد التي تطلب فيها ضرّراً لعدُوك، يجذبها الحقد إلى أسفل عكس ذلك صلاة إستفانُوس الذي قال أثناء رجمه:
يارّب، لا تقم هذه الخطية، هذه بلا شك صعدت كرائحة بخُور، راجع (مت44:5؛ 5:6؛ لو11:18؛ أع60:7)، وهُناك صلُوات يرفضها الله، كصلُوات أولئك الخطاة الذين قال لهُم الرّب:
حين تبسطُون أيديكُم، أستر وجهي عنكُم، وإن أكثرتُم الصلاة لا أسمع أيديكُم ملآنة دماً، ومثل الذين قال عنهُم الرّب: يقترب إليّ هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً..
إن الصلاة التي تخرج من الفم، وليس من القلب لا يمكن أن تصعد لله، والصلاة الخالية من التُوبة والاتضاع هي مرفُوضة من الله، عكسها صلاة العشار القائل: ارحمني يارّب فإني خاطيء، وكذلك صلاة اللص، الله ينتظر رجُوعنا وتُوبتنا، ولا يحتمل دمُوعنا وانسحاقنا..
هُناك أشخاص لم تكن صلُواتهُم فقط كرائحة بخُور، بل حياتهُم كُلها رائحة بخُور، مثال الآية التي تقُول: مَن هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، مُعطرة بالمُرّ والدخان وكُل أذرة التاجر (نش6:3)..
الفرح الذي يقدمه العالم إلى حين، أما فرح الرّب فيحطم الجحيم المحيط بنا، ويحول حياتنا إلى فردُوس، الرّب قُوتنا وفرحنا الأبدي، فالاحتفال بالعيد يتحقق بالفرح بالله، وتبادل الحب مع العطاء يُسر الله بفرحنا به، واهتمامنا بعضنا ببعض، كثيراً ما نرتبك من جهة المستقبل ونقُول:
مَن يُدحرج لنا الحجر؟ فلا تقف حائراً أمام أحجار الحياة قبل أن تصل إليها، ولا تخف من الأبواب الحديدية، لأنها ستفتح لك من ذاتها حينما تأتي إليها، ولا تُحارب المعركة قبل أن تبدأ..
إن أثقل أحمال الحياة هي: الأحمال التي نضعها نحن على أكتافنا بغير ضرورة، فتُحطم الحياة وتهدمها، وقد يأتي القلق والهّم وليد الشك، وعدم الإيمان والثقة بعناية الله ضابط الكل، نتيجة التربية الخاطئة مثل أب يُعطي فكرة لابنه أن الحياة بؤس وشقاء، أو أب يُربي ابنه على الحياة السهلة، أو يُحمّله فوق طاقته، فتّتعقد نظرته إلى الحياة..
كُن مُتفائلاً فأنت نسيج أفكارك، ومن قيثارة واحدة ينبعث منها ما يُفرح وما يُبكي، فالقيثارة لم تتغيّر بل يد العازف، ونظرته إلى الحياة هي التي تُخلق له نوع الحياة، فما أكثر المُتشائمين من الحياة، الذين لا يرُون من الورُود سوى أشواكها، ومن الأنوار سوى ظلالها..
إن المُتفائل إنسان يرى ضوء غير موجُود، والمُتشائم إنسان أحمق يرى ضوء ولا يُصدق، وليس المقصود بالتفاؤل أن تُغمض العين عن الحقيقة والواقع، بل أن تعتاد في تفكيرك على النظر إلى الأشياء في بهجة الأمل والرجاء والفرح، لا في ظلام اليأس والشك والخوف..
أن حياتنا من صُنع أفكارنا، فإذا راودتنا أفكار سعيدة كنا سعداء، وإذا ما تمالكنا أفكار شقية أصبحنا أشقياء، وإذا سيطرت علينا أفكار المرض نصبح مرضى، وإذا فكرنا في الفشل أتانا من غير إبطاء..
هذا هُو حال كُل خادم مُتكبر يُقدم للآخرين كلمة الله ليس من عنده وإنما من الكتاب المُقدس دُون أن ينتفع هُو به، هُو يُحسب مع الشيطان، أما عطية المسيح فلا تفسد بل تفيض نقية خلاله وتعبر كالماء إلى أرض مُخصبة، فيكُون الخادم كقناة من الحجر لا يقدر أن يُقدم ثمراً بالمياه التي تعبر القناة الحجرية إلى أحواض الزهُور في الحديقة..
كيف هذا، والإنسان الشرّير من الكنز الشرّير يُخرج الشرُور؟ كيف تقدرُون أن تتكلّمُوا بالصالحات وأنتُم أشرار؟! (مت34:12)..
مثال: في المحكمة ينطق الحاجب بما يقُوله القاضي، فما ينطق به لا يُنتسب إليه طالما يتكلّم في حضرة القاضي، وما ينطق به الحاجب في بيته يختلف عما ينطق به وهُو في المحكمة، إذ ينطق هُنا بما يسمعه من القاضي فالحاجب ينطق بالعقُوبة سواء أراد أو لم يرد، فلو نطق الحاجب بحسب ما في قلبه لأعطى براءة لصديقه وعاقب عدُوه، لكنه إذ يتكلّم من كرسي الحُكم قد يُعاقب صديقه ويبرأ عدُوه، هكذا بالنسبة للكتبة..
حقاً لنقبل كلمات الخدام، ولا نمتثل بضعفاتهُم أو شرُورهُم كما لا ندين تصرفاتهُم، هذا من جانبنا، أما من جانب الخدام فيليق بهُم أن يهتمُوا أن تكُون أعمالهُم ختماً لكلماتهُم، حتى لا تتحول عظاتهُم وتوجيهاتهُم إلى فلسفة نظرية، فالأعمال تتكلّم بصوت أعلى من الكلمات..
الوصية في ذاتها ليست مُستحيلة ولا ثقيلة وإنما إذ تصدر عن معلمين لا يُجاهدُون فيها يجدها الشعب حملاً ثقيلاً عسر الحمل، قد حزمها المعلمُون لا ليحملُوها مع الشعب وإنما ليثقلُوا بها كاهل الآخرين، أما هُم فلا يُفكرُون حتى في مُجرد تحريكها بإصبعهُم، وعلى العكس فإن ذات الوصية إذ يُقدمها معلمُون مُختبرُون ومجاهدُون، يفرح بها الشعب، ويتسابقُون على حملها معهُم، هذا ما فعله السيد المسيح بنفسه له المجد..





