القمص يوحنا نصيف
بعد حُكْم بيلاطس بصلب المسيح، حسب رغبة رؤساء اليهود، تحرّك الربّ يسوع حاملًا صليبه إلى موقع الصلب خارج أورشليم من جهة الغرب. وعندما رأى النساءَ اللواتي تبعنه يلطمن وينُحنَ عليه، التفت وقال لهُنّ لا تبكِينَ عليّ بل على أنفسكنّ.. إن كانوا قد فعلوا هذا بالعود الرطِب فماذا يكون باليابس؟! (لو23: 24-31). يقدّم القدّيس كيرلّس تعليقًا طويلًا على هذه الأحداث، أقتطفُ منه في هذا المقال بعض الفقرات:
+ إنّ مخافة الله مكروهة من فاعلي الشرّ.. الرغبة في الحياة باستقامة وقداسة هو أمر غريب تمامًا عند أولئك الذين يحبّون الشرّ؛ ولأنّ عُنف أهوائهم يهاجمهم كوَحشٍ كاسِر، فهُم لن يُنصِتوا لكلام مَن ينصحهم، بل يَعتَبِرون كلّ مَن يُعَلِّمهم كيف ينبغي أن يحيوا الحياة الصالحة بمثابة عدوّ لهم. كان هذا هو الشعور الذي جَعَلَ جموع اليهود يُبغِضون المسيح، مع أنّ ما دعاهم إليه كان هو الخلاص وغفران الخطيّة.. وإلى بِرٍّ أسمَى من بِرّ الناموس، وإلى عبادة روحيّة أعلى من الرموز والظلال.
+ لقد أتوا بالقدّوس والبار إلى بيلاطس، ونطقوا ضدّه بكلام عنيف ومتهوّر، وانهالوا عليه باتّهامات كاذبة مُلَفّقة، واستمرّوا طويلًا في كَيْلِ الاتهامات له بحِدّة، حتّى أنّ بيلاطس أخيرًا حَكَمَ أن تُلَبَّى طلبتهم، مع أنّه قال علانيةً: "أنا لا أجد عِلّةً في هذا الإنسان".
+ أتوسَّل إليكم أن تلاحِظوا هنا كيف أنّ الحيّة المتمرّدة، تُطرَد مِن سيادتها علينا، وتَحفُر لنفسِها هي ولِلرجال الأشرار الذين يخدمونها هوّة الهلاك.. هذا ما علّمنا المخلّص إيّاه، لأنّه عندما كان مُزمِعًا أن يحتَمِل آلامه الخلاصيّة لأجلنا قال: "الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرَح رئيس هذا العالم خارِجًا، وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إليّ الجميع" (يو12: 31-32). لذلك فإنّ يسوع جاء إلى الصليب حتّى إذا ما رُفِعَ يمكنه أن يجتذب إليه الجميع، ولكيما بهذا يُجَرِّد الشيطان من عابِدِيه!
+ أولئك الذين كانوا تائهين في الضلال جِيءَ بهم إلى الطريق الصحيح.. وبادَت شوكة الخطيّة، وقُتِلَ الموتُ بموتِ المسيح. هذه هي المنافِع التي صُنِعَتْ لنا بواسطة آلام المُخَلِّص.. لأنّ الله يُعِيد تشكيل طبيعة الإنسان لتتأهَّل للحياة، إذ هو سحَق الخطيّة وأخضعها.. لأنّ "الله هو الذي يُبَرِّر، فَمَن هو الذي يدين" (رو8: 33-34).
+ هكذا اُقتِيدَ المخلّص إلى آلامه المخلّصة.. إنّ المخلّص حَمَلَ الخشبة.. ولكن ربّما لاقاهم سمعان القيرواني في وسط الطريق فأمسكوه وجعلوه يحمل الصليب بدلًا منه. يوجَد سبب هام لحقيقة أنّ المسيح مخلّص الكلّ حَمَلَ الصليب، وهو أنّه قد قيل عنه بفم إشعياء النبيّ: "إنّه يولَد لنا ولد، ونُعطَى أيضًا ابنًا، وتكون الرئاسة على كَتِفِهِ" (إش9: 6س). لأنّ الرياسة كانت بالصليب الذي به صار مَلِكًا على العالم. وذلك لأنّه أطاع الآب حتّى الموت، موت الصليب.
+ وأعتقد أنّه من المهمّ أن نُلاحِظ.. أنّه عندما صعَد الطوباوي إبراهيم إلى الجبل الذي أراه الله إيّاه، ليُصعِد هناك إسحقَ ذبيحةً بحسب أمر الله، فإنّ إبراهيم وَضَعَ الحطب على الصبيّ الذي كان مثالًا للمسيح وهو يَحمِلُ صليبَه الخاصّ على كتفيه، وهو صاعِدٌ إلى مجد آلامه. لأنّ كون آلام المسيح هي مجده، فهذا هو ما علّمه لنا المسيح بنفسه عندما قال: "الآن تَمَجَّدَ ابنُ الإنسان وتمَجَّدَ اللهُ فيه. إن كان الله قد تمجّد فيه، فإنّ الله سيُمَجِّده في ذاته ويمجّده سريعًا" (يو13: 31-32).
+ كان يسوع ماضيًا إلى موضع الصلب، وتَبِعَتْه آنذاك نساءٌ تَبكِينَ.. أمّا يسوع فقال لهُنّ: يا بنات أورشليم وَفِّرنَ دموعكنّ لأجلي، وتوقّفوا عن نحيبكنّ بخصوصي.. لأنّه إن كان بالعود الرطب يفعلون هذا، فماذا يكون باليابس؟ ماذا كان يَقصِدُ المُخَلّص بهذه الكلمات؟
+ هو يُشَبِّه نفسَه بالشجرة الخضراء التي لها أوراق وأزهار وثمر، وأثماره كانت تعاليم وعظات، وأيضًا مظاهر قوّته الإلهيّة في معجزاته الإلهيّة فائقة الوصف.. ورغم أنّ هذه كانت هي أعماله، لكن جنود الرومان أو بالأحرى بيلاطس أدانه وحكم عليه بحكم جائر، وابتلاه بهذه الاستهزاءات القاسية.. فماذا سيفعلون بإسرائيل (يقصد وقت خراب أورشليم) عندما يجدون أنّه عود يابس غير مثمر؟ من الواضح أنّهم سيحرقونه بالنار بدون أن يُظهِروا أيّة رحمة.. فهذه كانت فِعلًا البلايا التي أصابت الإسرائيليّين، عندما حَتّمَ الله -الذي يَحكُم بالعدل- بالعقوبة التي استوجبها شرّهم ضدّ المسيح. أمّا نحن الذين نؤمن به، فإنّ المسيح يُنعِم علينا بالنعمة والبركة.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 152) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





