الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في أثناء زيارة البابا لاوُن الرابع عشر إلى فرنسا، توقّف أمام هذه الطفلة. وربما ما يشدّني في الصورة أكثر من الحدث نفسه هو "وجه البابا": نظرةٌ طويلة، يدٌ على الرأس، وملامح لا تحاول أن تشرح شيئًا.
أمام طفل يتألّم، تنهار بسرعة اللغة الدينيّة السهلة. قد ترجُو التقوى الشعبيّة معجزة. وهذا مفهوم. وقد يسأل شخص آخر بصدق: ما جدوى الإيمان بالله إذا كان هذا الألم موجودًا أصلًا؟
المؤمن والملحد، في النهاية، "في المركب نفسه". كلاهما يقف أمام عالمٍ جميل، ومذهل، ومفتوح على إمكاناتٍ هائلة، لكنّه أيضًا عالمٌ ناقص، هشّ، يمتلئ بالمرض والموت والعنف والظلم والكوارث. لا يستطيع أحد أن يلغي هذه الحقيقة.
أظنّ أنّ الاختلاف يبدأ في "تأويل هذا النقص". الملحد قد يرى فيه حجّة ضدّ وجود إله صالح وقادر، أو على الأقلّ ضدّ صورةٍ معيّنة لهذا الإله. والمؤمن لا يملك جوابًا سحريًّا مضادًّا. فالإيمان المسيحيّ الحقيقيّ لم يدّعِ يومًا أنّ العالم كما نعرفه كامل، ولم يقل إنّ المرض والألم والموت أوهام. بل على العكس: الكتاب المقدّس نفسه يعرف الأنين، والشكوى، والاحتجاج، وصرخة: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»
ولهذا لعلّ ما يحتاج إليه المؤمن أحيانًا أن "يتعلّم الإيمان من جديد". الإيمان ليس لغةً انتصاريّة تقول إنّ المؤمن محميّ من المأساة. وليس انتظار تدخّلٍ إعجازي من الله كلّما انكسر نظام الخليقة. وليس تفسيرًا جاهزًا لكلّ سرطان أو إعاقة أو موت طفل. وإذا كان الإنسان قد سخّر كل طاقات عقله في الطبّ والصيدلة والجراحة والبحث العلمي والعلاج النفسيّ والرعاية، فذلك لأنّه لم يقبل الألم بوصفه قدرًا ينبغي الاستسلام له. العلم نفسه، بهذا المعنى، مقاومة منظّمة للمرض والألم والنقص. ولا يحتاج المؤمن إلى منافسة الطبيب بمعجزة، بل إلى أن يرى في عمل الطبيب والباحث والممرّض وكل من يقاوم الألم مشاركةً في مقاومة الشرّ.
لكن ماذا يبقى للإيمان إذًا؟ يبقى ما لا يستطيع المختبر أن يقوله. إنّ النظر إلى صليب المسيح وقيامته لا يقدّم تفسيرًا سببيًّا للألم. الصليب لا يقول لنا لماذا وُلد هذا الطفل مريضًا، ولا لماذا مات آخر في الحرب، ولا لماذا أصيب بريء بالسرطان. لكنّه يقول شيئًا آخر: إنّ الله، في الإيمان المسيحيّ، لم يقف خارج الألم. لقد دخل فيه. والقيامة لا تمحو الجمعة العظيمة، ولا تجعل الجراح وهمًا. المسيح القائم لم يزل يحمل جراحه. لكنها تعلن أنّ الكلمة الأخيرة ليست للموت، ولا للشرّ، ولا للعبث. وهنا يصبح الإيمان أقلّ ضجيجًا وأكثر عمقًا.
أتذكّر إيلي ڤيزل، أحد الناجين من محرقة النازيّين، الذي حمل معه سؤال الله بعد أوشڤيتس حتى نهاية حياته. وكان يمكنه أن يحتجّ على الله، وأن يغضب منه، وأن يصلّي إليه في الوقت نفسه. وفي حديث له عن الصلاة قال إنّ الناس يسألون: "كيف يمكن أن نصلّي إلى الله بعد أوشفيتس؟" ثمّ أجاب بأننا ننسى أن بعضهم "صلّى إلى الله في أوشڤيتس نفسه؛ وأضاف في معنى بالغ القوIة: إذا كنتُ قد صلّيتُ إليه هناك، فكيف لا أصلّي إليه هنا؟
هذا لا «يحلّ» مشكلة الشرّ. بل ربّما هو اعترافٌ بأنّ بعض الأسئلة أعمق من أن تُحلّ. وڤيزل نفسه قال إنّه لا يستطيع أن يفهم أوشفيتس «مع الله» ولا «من دون الله»؛ ولهذا ظلّ السؤال مفتوحًا في قلب إيمانه. وربما هنا تلتقي تجربة المؤمن والملحد مرّة أخرى! كلاهما يرى الطفل. وكلاهما يتألّم. وكلاهما يريد للمرض أن يزول. وكلاهما يستطيع أن يعمل كي يقلّ الألم في العالم. لكن المؤمن قد يضيف إلى ذلك رجاءً قد لا يستطيع إثباته: "أنّ هذا الألم ليس الكلمة الأخيرة". ولهذا تعجبني صورة البابا. فهو لا يشرح للطفلة سرّ الألم، أو يحاول الإجابة عن "لماذا؟".... إنه فقط ينظر إليها، يضع يده على رأسها، ويبقى معها.
وربما هنا يبدأ الإيمان الحقيقيّ: أن نكفّ عن الدفاع عن الله بالكلمات،
ونقف مع الإنسان المتألّم. ثم نترك للصليب والقيامة، القيامة التي فضحت قوى الشرّ، وأنّه لن تكون له الكلمة الأخيرة، أن يقولا الباقي.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





