يوسف إدوارد
«الوطنية» كلمة أكبر من أي شعار نردده في مناسبة أو مشهد عابر يمر ثم ننساه. هي في حقيقتها علاقة يومية بين الإنسان والمكان الذي ينتمي إليه وما يحصل عليه من وطنه وما يقدمه له. ولهذا يصبح الحديث عن حب الوطن أكثر صدقًا حين ننتقل من الكلام إلى المسؤولية، ومن سؤال: ماذا يفعل الآخرون؟ إلى السؤال الأصعب: ماذا أفعل أنا في المساحة التي أتحمل مسؤوليتها؟.
من هنا أؤمن بأن الوطنية تبدأ من المسافة صفر؛ بمعنى من أقرب نقطة أستطيع أن أتحرك منها. من عملي وبيتي وشارعي ومهنتي، ومن الطريقة التي أؤدي بها واجبي حين لا يراقبني أحد. فالوطن ليس فكرة معلقة في الهواء، بل تفاصيل صغيرة تتجمع يومًا بعد يوم لتصنع الصورة الكبيرة التي نسميها الدولة.
وهل هناك مسافات أصلًا في الوطنية؟، وهل يمكن أن يعيش الإنسان داخل وطنه وهو بعيد عنه أو أن يقترب منه فقط حين يحتاج إليه؟، ربما لا تكون المسافة الحقيقية بين الإنسان ووطنه بل بين ما يقوله عن وطنه وما يفعله من أجله.
وهذه المسافة تضيق أو تتسع قبل أن نعي ذلك بكثير. تبدأ في البيت والمدرسة والشارع وفي الطريقة التي يتحدث بها الكبار أمام الصغار عن القانون والعمل والاختلاف والمسؤولية. فالأب والأم لا ينقلان لأبنائهما الكلمات وحدها، بل ينقلان طريقة النظر إلى الحياة: هل احترام القانون قيمة حقيقية أم نصيحة تُقال؟، هل العمل أمانة أم مجرد مقابل؟، وهل الاختلاف مع الآخر خصومة أم فرصة لنفهم بعضنا؟.
الطفل الذي يرى الأمانة أمامه كل يوم ويتعلم أن احترام الآخر جزء من احترام الوطن، ويعرف أن الشارع والحديقة والمدرسة ملك له كما هي ملك لغيره، يكبر بمفهوم للمواطنة يختلف عن طفل لا يسمع عن الوطن إلا في المناسبات.
والمسؤولية هي أول معنى حقيقي للوطنية وهي ليست مسؤولية الدولة وحدها ولا المؤسسات وحدها، بل مسؤولية كل واحد منا في موقعه. الموظف عن عمله والطبيب عن مهنته والمعلم عن تلاميذه والعامل عن إنتاجه، ورجل الأعمال عن استثماره والإعلامي عن كلمته والمواطن عن سلوكه في الشارع. وكلما أدى الإنسان دوره كما ينبغي أضاف إلى بلده شيئًا حقيقيًا، دون أن يضطر لإعلان حبه للوطن في كل مرة.
ثم تأتي الأمانة وهي الاختبار الأوضح بصراحة. فقد يتحدث الإنسان طويلًا عن بلده لكنه في لحظة العمل يستهين بالوقت، أو يهدر المال ويتحايل على القانون ويستغل موقعه لمنفعة شخصية، أو يرى المصلحة العامة شأنًا يخص غيره. في هذه اللحظة يظهر الفرق بين الوطنية التي نقولها والوطنية التي نمارسها.
والشرف في العمل عامًّا كان أو خاصًّا ليس كلمة أخلاقية بعيدة عن الحياة. المال الذي يُهدر والوقت الذي يضيع والفرصة التي تذهب لمن لا يستحقها، كلها تكلفة يدفعها المجتمع في النهاية مهما بدا أثرها صغيرًا في لحظتها. فالأمانة ليست فضيلة شخصية فقط بل مساهمة مباشرة في قوة الدولة وقدرتها على التقدم.
لكن مَن يتحمل عناء البناء؟
من السهل أن نطالب بحياة أفضل وخدمات أفضل واقتصاد أقوى ومدن أكثر تنظيمًا.. لكن للبناء ثمنًا وله وقتًا وأخطاء طبيعية وقرارات صعبة. والأوطان لا تتغير بالرغبة وحدها، بل تحتاج إلى أجيال تعمل وتتعلم وتتحمل وتراجع ما أخطأت فيه وتكمل ما نجح.
والنظرة النقدية هنا لا تعني رفض كل ما يتم ولا التصفيق لكل ما يتم.. تعني أن نرى الصورة كاملة؛ نعرف ما تحقق ونذكر القصور حين يوجد ونطالب بأداء أفضل، ونحن ندرك أن بناء دولة حديثة لا يحدث في سنوات قليلة، وأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى نفَس طويل ومشاركة المجتمع كله لا الحكومة وحدها.
وفي بلادنا اتجهت الدولة في السنوات الماضية إلى مسار واسع من البناء والتنمية، من البنية الأساسية إلى دعم الصناعة وتحسين الخدمات، مع تأكيد متكرر على أن الطريق ممتد ويحتاج إلى جهد الجميع. لكن أي خطة مهما كانت واضحة، لا تكتمل إذا بقي المواطن متفرجًا. فالدولة تضع الخطط وتبني الطرق والمصانع، لكنها تحتاج في النهاية إلى مواطن يعمل وينتج ويحترم القانون ويحافظ على ما أُنجز، ويعرف أن المصلحة العامة ليست منفصلة عن مصلحته.
ولا يعني العمل الجماعي أن نتفق على كل شيء. فالاختلاف طبيعي، وقد يكون ضروريًا لنكتشف الأخطاء. المهم أن يبقى داخل مساحة تحترم الوطن وحق الناس في حياة أفضل، وأن يكون النقد طريقًا للإصلاح لا موقفًا دائمًا من الرفض، وأن يكون الاتفاق على مصلحة البلد أكبر من الخلاف على الأشخاص والتفاصيل.
أحيانًا نبحث عن الوطنية في المواقف الكبيرة، وهي قد تكون في موقف صغير لا يراه أحد. في شخص يرفض رشوة، وموظف ينهي عمله بإتقان، وطبيب يحترم مريضه، ومعلم يدخل فصله مؤمنا برسالته، ومواطن يحافظ على نظافة شارعه لأنه يعرف أنه ملك الجميع، وصاحب عمل يحفظ حقوق العاملين معه، وشاب يقرر أن يتعلم مهارة جديدة بدلًا من انتظار فرصة قد لا تأتي.
هذه الأشياء تبدو صغيرة حين ننظر إليها منفردة، لكنها حين تصير سلوكًا عامًّا تتحول إلى قوة حقيقية. فالدولة ليست المشروعات الكبرى فقط، بل أيضًا التفاصيل التي تتكرر ملايين المرات كل يوم.
ولهذا فحماية الوطن لا تبدأ حين يظهر الخطر على الحدود، وبناؤه لا يبدأ حين يوضع أساس مشروع جديد. كلاهما يبدأ من الناس؛ من تحملهم للمسؤولية وأمانتهم واحترامهم للقانون وإخلاصهم في عملهم، واستعدادنا لأن نكون جزءًا من الحل لا مجرد مشاهدين ننتظر من العالم أن يفعل شيئا.
الوطنية من المسافة صفر تعني ببساطة أنني لا أحتاج إلى منصب كبير لأخدم بلدي، ولا إلى حضور في المشهد لأكون مؤثرًا فيه. أبدأ من المكان الذي أقف فيه ومن العمل والدور الذي أملكه، ومن المسؤولية التي أقدر عليها، ومن القرار الصغير الذي أعرف أنه صحيح حتى لو لم يصفق لي أحد.
فالأوطان لا يحميها ويبنيها الكلام وحده، بل يحميها ويبنيها ناس قرروا أن يكونوا جزءًا من مسؤوليتها، كلٌّ في موقعه وبقدرته. وربما أصدق تعريف للوطنية أن تسأل نفسك قبل أن تسأل وطنك: ماذا فعلت أنا اليوم ليكون هذا الوطن أفضل قليلًا؟.
هنا تحديدًا تبدأ الوطنية من المسافة صفر.
نقلا عن المصرى اليوم





