(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
اليوم، الأوّل من أكتوبر/تشرين الأوّل للعام الجاري (2026)، تَمُرّ الذكرى الـ58 لنياحة الأب الكاثوليكيّ رومانو غوارديني (17 فبراير/شباط 1885 - الأوّل من أكتوبر/تشرين الأوّل 1968)، ذي الأصول الإيطاليّة، الذي عاش ودَرسَ ودَرَّس ومات في ألمانيا. وجديرٌ بالذكر أنّ غوارديني كان موضوع أُطروحتي في الدكتوراة، ولا سيّما فكره الكريستولوجيّ.

1. لمحةٌ عن السيرة الحياتيّة لغوارديني، وعن مؤلَّفاته
رومانو غوارديني (أو جوارديني) أحدُ كبار الفلاسفة وعلماء اللاهوت الكاثوليك المعاصرين، إذ قد أثرى الفكر المسيحيّ الكاثوليكيّ بكِتاباته الغزيرة وأُطروحاته الفلسفيّة واللاهوتيّة العميقة. ويكفي القول بأنّه كان مُعلِّمًا وأبًا فكريًّا لعالِم اللاهوت القدير جوزيف راتسينغر (البابا بِنِديكْتُس السادس عشر)؛ وأنّه كان رائدًا وسبّاقًا في مجالاتٍ ثيولوجيّة عديدة، قبل المجمع الفاتيكانيّ الثاني (1962-1965)، وبعده. فأَذكُر على سبيل المثال: الليتورجيا، الإكليزيولوجيا، الكريستولوجيا، والأنثروبولجيا. ولا شكّ أنّه مؤلِّفٌ مرجعيّ للبابا المتنيّح بِنِديكْتُس السّادس عشر، وكذلك للبابا فرنسيس أيضًا.

وُلِد غوارديني في المدينة الإيطاليّة "فيرونا"، في الـ17 من فبراير للعام 1885؛ ورحل عن عالمنا في المدينة الألمانيّة "موناكو دي بافييرا"، في الأوّل من أكتوبر للعام 1968. ويروي غوارديني، في سيرته الذاتيّة، أنّه، في لحظةٍ حرجة من حياته، قد عاش خبرةَ "اهتداء" عميقة، انطلاقًا من كلمات يسوع التي تؤكّد أنّه وحده مَن أضاع حياته من أجله يجد نفسه. فقد كان للعبارة الموجودة في بشارة متّى 10: 39، وقعًا خاصًّا في خبرته الوجوديّة والمسيحيّة. فهذه العبارةُ تشير بدورها إلى أمرٍ مهمّ: «مَن حَفِظَ حَياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها». ومن ثمّ، فقد أسلم حياته برمّتها لله، الذي صار ملموسًا وقريبًا في يسوع المسيح، لأنّه في الله وحده يجد (يخلّص) حياته. ولكن، أين يتسنّى للمرء أن يجد يسوع المسيح؟ والإجابةُ عن هذا السؤال المصيريّ، التي وجدها غوارديني في بحثه المضني، هي التالية: إنّ يسوع حاضرٌ بيننا بشكلٍ ملموس في جسده فقط، أي في الكنيسة، التي "قلبُها هو المسيح".

قد تنيّح غوارديني في الأوّل من أكتوبر للعام 1968، عن عمرٍ ناهز الـ83 عامًا. وعند نياحته، كانت الكلماتُ الأخيرة التي نطق بها قَبل لحظاتٍ من موته، هي تلك التي كتبها القدّيس أَوْغسطينُس، في بداية "اِعترافاته": «[...] لأنّك، خلقتنا لأجلك، ولن يهدأ قلبٌ لنا حتى يستقرَّ فيك» (اِعترافاتُ القدّيس أغوسطينوس، نقلها إلى العربيّة الخوري يُوحنّا الحلو، دار المشرق، بيروت، 1991، ط 4، 7).

كان غوارديني حقًّا مُفكِّرًا وفيلسوفًا وعالِم لاهوتٍ من طرازٍ فريد؛ وكانت شخصيّته الإنسانيّة والرّوحيّة والفكريّة ثريّة ومتشعّبة. فالقوّة التّأمليّة، والعمق الرّوحيّ، والطّابع التّربويّ، والحسّ الجماليّ، والأبعاد الأخلاقيّة، كانت كلّها عناصر متعلّقة بفكر أصيل ومثمر استطاع التّعامل بعبقريّة شديدة مع أهمّ الإشكاليّات والمُعضلات في عصره. لقد كَتبَ غوارديني –باللغة الألمانيّة– مؤلَّفات عديدة وثمينة؛ فأَذكُر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاباته في: المجال الفلسفيّ؛ مجال الأدب الدينيّ؛ مجال الكتاب المقدَّس وعِلْم اللاهوت؛ مجال الكريستولوجيا (ولا سيّما أشهر كُتبه على الإطلاق: "الربّ"، الذي تُرجِم جزءٌ منه إلى اللغة العربيّة، في كُتبٍ ثلاثة: الأسبُوع العظيم، في آلام المسيح وموته؛ قِيامة المسِيح؛ تفسير رؤيا يوحنّا الحبيب).

[يُتبَع]