خالد منتصر
هذا السؤال يطرحه البعض من منكرى أن الكون عمره مليارات، وكذلك الأرض عمرها مليارات ولكنها بالطبع أقل من الكون، يطرحون السؤال بصيغة استنكارية تحمل من الاستخفاف والسخرية بالعلم ما يرسخ أفكارهم المتوارثة التى يخافون أن تتزعزع، عندما يقول العلماء إن عمر الكون نحو ١٣.٨ مليار سنة، وإن عمر الأرض قرابة ٤.٥٤ مليار سنة، يتساءلون وهم يضحكون ملء الشدقين، هل كان هناك مَن يقف لحظة ميلادهما ممسكًا بساعة؟.
الإجابة: بالطبع لا، لكن الطبيعة تركت وراءها ساعات وبصمات، وكل ما فعله العلماء أنهم تعلموا كيف يقرؤونها، والغريب أنكم مؤمنون بالعنعنة، ولا تؤمنون ببصمات الزمن التى تقاس بصرامة علمية مبهرة، يا سادة يا كرام، لقياس عمر الكون، بدأ العلماء بملاحظة أن المجرات تبتعد بعضها عن بعض، وأن المجرات الأبعد تبتعد بسرعة أكبر، وهذا يعنى أن الكون يتمدد، فإذا أعدنا الفيلم إلى الخلف، كما نعيد شريط فيديو، سنجد أن المجرات كانت فى الماضى أقرب، وأن الكون كله بدأ من حالة شديدة الكثافة والحرارة، ومن خلال قياس سرعة هذا التمدد وحساب التغيرات التى طرأت عليه.
أمكن تقدير الزمن الذى انقضى منذ بداية الكون، لكن العلماء لم يكتفوا بذلك، بل درسوا أيضًا ما يسمى «إشعاع الخلفية الكونية»، وهو ضوء خافت يملأ الكون كله، ويُعد أثرًا متبقيًا من مرحلة مبكرة جدًا بعد الانفجار العظيم، وقد كشفت الأقمار الصناعية الاختلافات الدقيقة فى هذا الإشعاع، ومن خلال مقارنتها بالنماذج الرياضية للكون وصل العلماء إلى عمر يقارب ١٣.٨ مليار سنة، كما وجدوا أن أعمار أقدم النجوم تتفق مع هذا الرقم، فأصبحت لدينا عدة أدلة مستقلة تروى القصة نفسها، أما عمر الأرض، فتم قياسه بطريقة مختلفة.
الأرض كوكب نشط، صخوره تنصهر وتتآكل وتُدفن ثم تظهر من جديد، ولذلك لا نجد بسهولة صخرة ظلت كما هى منذ ولادة الكوكب. لكن الذرات الموجودة داخل الصخور تحمل ساعة طبيعية لا تتوقف، بعض العناصر مشعة، أى إن ذراتها تتحول بمعدل ثابت إلى عناصر أخرى. فاليورانيوم، مثلًا، يتحول ببطء شديد إلى رصاص، ويعرف العلماء الزمن اللازم لتحلل نصف كمية اليورانيوم، ويسمى «عمر النصف»، بقياس كمية اليورانيوم المتبقية وكمية الرصاص الناتجة يستطيعون حساب عمر المعدن، كما نعرف الزمن الذى مرّ فى الساعة من حركة عقاربها، وقد فحص العلماء أقدم بلورات الزركون على الأرض، ثم قارنوا نتائجها بأعمار النيازك التى تكوّنت مع بداية المجموعة الشمسية، وكذلك بصخور القمر. وتلاقت القياسات عند نحو ٤.٥٤ مليار سنة.
إذن لم يخمّن العلماء عمر الكون والأرض، ولم يعتمدوا على قياس واحد، لقد جمعوا الضوء القادم من أعماق الفضاء، وحركة المجرات، وأعمار النجوم، وساعات الذرات داخل الصخور والنيازك، العلم هنا يشبه المحقق الذكى، لم يشهد لحظة الجريمة، لكنه أعاد بناء ما حدث بدقة من الآثار التى بقيت فى المكان.
نقلا عن المصري اليوم





