بقلم: أيمن فايز
لا نعرف أسماء كثيرين ممّن نحتوا الوجوه المعلّقة على حواف الكاتدرائيات، لكننا ما زلنا نرفع رؤوسنا إلى ما صنعوه. بقي الحجر، وغاب النقاش الذي سبقه: الاقتراحات، والاعتراضات، والتعديلات، واللحظة التي قَبِل فيها أحدهم أن يأخذ هذا الكائن الغريب مكانه فوق كنيسة. نرى النتيجة، وقد ننسى أنها لم تكن يومًا حتمية.

في نوتردام Notre-Dame de Paris ، يصعد النظر مع انتظام البناء، ثم يتوقّف عند وجه يكسر ذلك الانتظام. أفواه مفتوحة وأجساد هجينة، تقابلها نوافذ يدخل منها النور. لا يجعلها وجودها على الواجهة صورًا للتكريم، ولا يثبت أنها أُقصيت عن الداخل لعدم استحقاقها قداسة المكان. موضعها حقيقة معمارية؛ أمّا المعنى الذي ننسبه إليه فيحتاج إلى معرفة، لا إلى الانطباع وحده.

بعض هذه الكائنات ميازيب تقذف المطر بعيدًا عن الجدران. ما يزعج العين يحمي ما يبهرها. لكن هذه المفارقة لا تنهي النظر؛ كان يمكن للماء أن يجري دون تلك الملامح. وهناك تماثيل أخرى حول الأبراج لا تصرّف المياه أصلًا، أُضيفت أثناء ترميم الكاتدرائية في القرن التاسع عشر. رأى المعماري الفرنسي أوجين إيمانويل فيوليه لو دوك (Eugène Emmanuel Viollet-le-Duc) أن ظهورها أمام السماء يمنح الكتل الحجرية حياة. وظيفة الميزاب، إذن، تفسّر الحاجة إليه؛ أمّا نحته بهذه الهيئة فيدخل في تاريخ الخيال والتكوين الفني، ولا تختصره إجابة واحدة. 

وهذا أول ما يفرضه الفن علينا: ألّا نستعجل تحويل إحساسنا إلى حكم. فقد تكون الهيئة مفزعة والعمل متقنًا، والوجه فاتنًا واللوحة ضعيفة. جمال الموضوع وجودة التعبير عنه لا يتطابقان بالضرورة. حتى الموضوع المقدّس لا يضمن نجاح العمل؛ فالقداسة لا تؤدّي عن الفنان ما ينبغي أن تؤدّيه موهبته ومعرفته.
وفي البناء، تتحدّد قيمة الجزء بعلاقته بما حوله. الظل يمنح النحت عمقًا، والفراغ يتيح للكتلة أن تُقرأ، والشكل الغريب قد يمنح التكوين قوةً لا تمنحه إياها الزخارف المطمئنة. لذلك قد نحذف ما لا نحبّه، فنُضعف ما أحببناه. الجمال أوسع من أن يكون اجتماع أشياء تروق لنا كلٌّ على حدة.

وتبلغ هذه المسألة عمقًا خاصًا في الفن المسيحي. صورة المصلوب لا تستمدّ قوّتها من تخفيف الجراح حتى ترتاح إليها العين. الألم ليس جميلًا في ذاته، لكن التعبير يستطيع أن يحمل من خلاله معنى المحبة والبذل. وحين نطلب من الفن أن يخفي كل ما يزعجنا، نحرمه القدرة على قول بعض ما نحتاج إلى سماعه.

وعند القبور تنقلب العلاقة. قد يوحشنا قبر يضمّ أحبّ الناس إلينا، ويبهرنا ضريح لإنسان أوجع غيره. لا تنتقص وحشة الأول من صاحبه، ولا تبرّئ روعة الثاني مَن يرقد فيه. غير أن الإعجاب بالصنعة قد يعبر إلى السيرة؛ فنمنح الميت ما استحقّه النحّات، ونقرأ في فخامة الحجر عظمةً لم تثبتها الحياة.

تستطيع السُّلطة أن تستدعي أمهر الفنانين لتخليد صورتها. لكنها حين تشتري ضريحًا عظيمًا لا تصنع بذلك إنسانًا عظيمًا. وبينما يحمل الأثر توقيع الموهبة، قد يُستهلك في تمجيد مَن دفع ثمنه. هنا يصبح التمييز بين الجمال والفضيلة ضرورةً أخلاقية؛ فالفن قد يكون صادقًا في صنعته، ويُستخدَم مع ذلك لإقناعنا بما لا تثبته الصنعة.

ومن هذا الالتباس تنشأ الحاجة إلى ضبط أحكامنا داخل الكنيسة أيضًا. للزخرفة لغتها، وللعمارة نظامها، وللميزاب وظيفته، وللإِيقونة حضورها في الصلاة. ليس كل ما لا يصوّر قديسًا مدنّسًا، ولا كل ما يوجد في المكان المقدّس موضوعًا للتكريم. وفهم هذه الفروق يصون معنى المكان من أن يتحوّل إلى تسمية عامة تُعفي كل ما فيه من الفحص.

فالإِيقونة، خصوصًا، لا تُفهم باعتبارها صورة جميلة فحسب. صلتها بالإيمان بالتجسّد وبالصلاة وبذاكرة الكنيسة تجعل دراستها أعمق من استنساخ ملامح اعتدناها. الأمانة للتقليد تقتضي معرفة ما نحفظه ولماذا نحفظه؛ وإلا أمكن لعادة حديثة أن تتخفّى في اسم التقليد، ولتفضيل شخصي أن يكتسب بمرور الوقت قوة القانون.

هذه المعرفة لم تكن يومًا حكرًا على اختصاص واحد. في بناء الكنائس على الطراز القوطي (Gothic)، مثل نوتردام، تظهر مساهمة المعماري والنحّات وصانع الزجاج في تكوين الفكرة ذاتها، لا في تنفيذها فقط. لم تبدأ مشاركة العلمانيين هناك، لكنها تتجلّى بما يتجاوز التمويل والتنفيذ. لقد احتاج المشروع إلى ما يعرفونه كي يصبح ممكنًا، وإلى ما يتخيّلونه كي يصبح مميّزًا. كانوا شركاء في صناعة المكان الذي ستصلّي فيه الجماعة، لا أيديًا تُستدعى بعد أن ينتهي التفكير.

وفي كنيسة سيستينا (Cappella Sistina)، نرى أثر هذه الشراكة وقد امتدّ إلى قلب الحياة الكنسية. نرى البابا، ونرى معه ميكيلانجيلو من خلال عمله. يجتمع الكرادلة لانتخاب البابا أمام «الدينونة الأخيرة»، وتحيط أعمال الفنان بالمشهد، فوق الوجوه وحولها. يمضي المجتمعون ويأتي غيرهم، ويبقى العمل قادرًا على مخاطبتهم. 

في قراءة هذا المشهد، يحيط الفن بمعنى السُّلطة نفسها: مَن يختارون يقفون أمام صورة عن الحساب، ومَن تُسنَد إليه المسؤولية لا يخرج بذلك من المسؤولية أمام الله. لا يشارك الفنان في الاقتراع، لكن حضوره يتجاوز حضور فرد في الاجتماع؛ فقد صار جزءًا من الفضاء الذي تفهم فيه الكنيسة تلك اللحظة.

وقد عرف ميكيلانجيلو التكليف البابوي والاعتراض والتدخل معًا. لا يتيح هذا التاريخ تصوير العلاقة بوصفها خصومةً دائمة، ولا يتيح تنقيتها من الخلاف. لكنه يذكّر بأن ما استقرّ اليوم في قلب التراث لم يولد محصّنًا بسُلطة التراث. كان جديدًا، وكان على أشخاص أن يقرّروا مقدار ما يتّسع له المكان.

وللفن في الإيمان صلة تتجاوز الرعاية والتكليف. في سفر التكوين، يجبل الله الإنسان من تراب الأرض، ثم ينفخ فيه نسمة حياة. تتيح الصورة الكتابية مقاربةً بلغة التشكيل: المادة تأخذ هيئة، لكن المشهد لا يكتمل عند الهيئة؛ يكتمل بالحياة. وحين نصف الله بالفنان الأعظم، فإننا نقترب بلغة الفن من سرّ الخلق، مع بقاء الفرق بين الخالق الذي يمنح الوجود والفنان الذي يمنح المادة شكلًا ومعنى. وقد جعل يوحنا بولس الثاني هذه الصلة مدخلًا لرسالته إلى الفنانين. 

الفنان لا ينفخ في الحجر نسمة حياة، لكنه يستطيع أن يجعله يخاطب أناسًا لم يولدوا بعد. وهذه القدرة هي ما تحتاج إليه الكنيسة منه. فإذا طلبت مهارته وحجبت فكره، استبقت اليد واستبعدت ما يجعل لعملها قيمةً تتجاوز التنفيذ.

وقد امتلك بولس السادس شجاعة الاعتراف بهذا الخلل. أمام الفنانين في كنيسة سيستينا، أقرّ بأن الكنيسة أثقلت عليهم بفرض المحاكاة على إبداعهم، وطلب الصفح. واعترف باللجوء إلى بدائل قليلة القيمة أساءت إلى الجمال والعبادة. لم يجعل ضعف النتيجة تهمةً للفنان وحده؛ وضع مَن يختار ويكلّف داخل دائرة المسؤولية. 

وفي الاتجاه نفسه، يجمع المجمع الفاتيكاني الثاني بين تكوين الفنانين في روح الفن المقدّس والليتورجيا، وتعليم الإكليريكيين تاريخ الفن ومبادئه، والاستماع إلى الخبراء عند الحكم على الأعمال، في الفقرات ١٢٦ و١٢٧ و١٢٩ من دستور «في الليتورجيا المقدّسة». فالتوجيه يحتاج إلى إعداد، والمعرفة واجب على الطرفين. 

تبدأ المسافة بين التعليم والممارسة حين يبقى حقّ القرار حاضرًا ويغيب هذا الإعداد. عندئذ قد يملأ الفراغَ ذوقُ المسؤول، أو رغبةُ المتبرّع، أو ما يعرضه المقاول بوصفه الحلّ المتاح. لكلٍّ دور معتبر، لكن الأدوار لا تتبادل حجّيتها: سخاء المتبرّع لا يمنحه اختصاصًا فنيًا، وخبرة المقاول لا تجعله مرجعًا ليتورجيًا، ومكانة المسؤول لا تُغني عن دراسة العمل الذي يحكم عليه.

وحين يُختار الفنان لأنه يوافق، ويُستبعد آخر لأنه يناقش، قد ينتهي الخلاف دون أن تُحلّ المشكلة. يصبح المشروع أسهل إدارةً، لا أفضل بالضرورة. ثم يبقى على الجدران أثر قرار لم يعد أصحابه موجودين لشرح أسبابه.

لهذا يخصّ الأمر كنائسنا الشرقية في حاضرها، لا تاريخ الفن وحده. والمطلوب أن يجد تعليم الكنيسة طريقه إلى المشروع قبل تنفيذه: تكوين فني جادّ للإكليريكيين، ومشاركة مختصين منذ صياغة الفكرة، ومراجعة يستطيع أصحابها تصحيح الاختيار. الاستشارة المؤثرة لا تنتزع سُلطة المسؤول؛ تمنع أن يُطلب من سُلطته أداء ما لا تؤدّيه إلا المعرفة.

في ١٥ أبريل ٢٠١٩، جعل حريق نوتردام الخسارة مرئية. ولإعادة ما أمكن استعادته، احتجنا إلى خبرة لا يقوم المال أو المنصب مقامها. لكن هناك خسائر لا تُرى: فكرة تُرفض قبل أن تُفهم، وموهبة تُستبدل بسهولة الموافقة، وعمل يُعدَّل حتى يفقد شخصيته. وقد يُحتفل بالنتيجة، لأن أحدًا لم يرَ ما كان ممكنًا قبل أن يُستبعد.

ما نضعه في الكنيسة سيبقى أمام أجيال لم تشهد نقاشاتنا. ستعرف العمل، ولن تعرف دائمًا اليد التي عدّلته، أو الرأي الذي أُسكت، أو الشرط الذي أضعفه. وما كان اختيارًا شخصيًا قد يبدو لها تعبيرًا عن الكنيسة نفسها.

لذلك فإن احترام الفن لا يبدأ يوم نختلف على ترميمه، بل يوم نختلف على إنشائه. هناك، قبل أن يصير الاختيار تراثًا، ينبغي أن يكون صوت المعرفة مسموعًا بقدر صوت السُّلطة.