القمص يوحنا نصيف 
    يُعَلِّق القدّيس كيرلّس على ما جاء في إنجيل القدّيس لوقا (لو23: 1-5، 18-19)، بخصوص تسليم المسيح إلى بيلاطس كَمُتَّهَم مُستوجِب الموت، فيقول:
    + لأنّهم جاءوا بيسوع إلى بيلاطس، لذلك هم أنفسهم أيضًا سُلِّموا لعساكر الرومان، الذين استولوا على كلّ أراضيهم وجعلوهم أسرى.. لقد تحقّقَت فيهم نبوءات الأنبياء القدّيسين، لأنّ واحدًا منهم يقول: "ويلٌ للشرير، شرورٌ سوف تَحدُث له بحسب أعمال يديه" (إش3: 11 سبعينيّة)، ويقول آخَر: "كما فعَلتَ يُفعَل بك، عملك يرتدّ على رأسِك" (عوبديا15).

    + دعنا نرى.. ماذا قالوا لبيلاطُس عندما صاغوا اتّهاماتهم ضدّ المسيح مخلّصنا كلّنا: "إنّنا وجدنا هذا يُفسِد شعبنا، ويَمنَع أن تُعطَى جزية لقيصَر، ويقول عن نفسه إنّه مسيحٌ مَلِك". ولكن أنتم باشرتم محاكمته منذ وقت قليل مَضَى، ولم تُثِيروا مثل هذه القضايا، لكنّكم سألتموه فقط إن كان هو المسيح.. وهو في ردّه على أسئلتكم سَعَى ليُبَيِّن أنّه هو المسيح، وأيضًا أنّه هو بالطبيعة والحقيقة ابن الله الآب. لأنّه قال: "مِن الآن تُبصِرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوّة" (مت26: 64).

    + أرجوكم أن تُخبِروني مَن الذي يَحِقّ له أن يجلِس مع الآب إلّا الذي هو الابن بالطبيعة؟ لأنّه لا يُمكِن لمخلوق على الإطلاق أن يتحدّث عن جلوسه على عرش الألوهَة، لأنّ كلّ كائن مخلوق يوضَع تحت قدمَيّ الطبيعة الإلهيّة الفائقة التي تسود على الكلّ، وتتسامَى على كلّ ما خُلِقَ. الله الآب وحده هو الذي يجلس على العرش عاليًا ومرتفِعًا، ويُشارِكه ابنه في عرشه، وهو الكائن دائمًا معه، ومولود منه بالطبيعة.

    + كيف تتجاوزون في خبثكم وشرّكم كلّ بنود الاتّهام التي حاكمتموه عليها، وتأتون بقائمة اتّهامات لها طبيعة مختلفة تمامًا وتقولون: إنّنا وَجَدنا هذا يُفسِد الأُمّة! أخبِرونا فيما يكون هذا الإفساد؟! إنّ تعاليمه كانت مُنصَبَّة على التوبة. أين مَنَعَ أن تُعطَى جزية لقيصَر؟.. كان هدفهم الوحيد هو أن يُحدِروا إلى الموت ذلك الذي يُقِيمُهم إلى الحياة. كان هذا هو مقصد خططهم، وهدف الأفعال الدنيئة والأكاذيب التي اخترعوها..

    + إنّهم إنّما سقطوا في كبريائهم. بالتأكيد كان من واجبهم طالما يفتخرون بمعرفتهم لشرائع الله أن يتذكّروا أنّ الله قال لا تَقتل التقيّ ولا البار (خر23: 7)، ولكنّهم لم يعطوا أيّ اعتبارٍ للاحترام الواجب للناموس..

    + إنّ بيلاطس إذ بَرَّأ يسوع من كلّ لومٍ قال علانيةً: لم أجد عِلّة واحدة في هذا الإنسان. ولم يَقُلْ هذا مرّة واحدة بل ثلاث مرّات. لكنّهم اعترضوا بإصرارٍ أنّه يُفسِد الشعب، ويُعَلِّم في كلّ اليهوديّة مبتدِئًا من الجليل إلى هنا.. لكن فيما هُم يتّهمونه بالتعليم، نجدهم قد صمتوا عن فحوى ما يُعَلّمه.. لأنّه ماذا كانت تعاليم المسيح؟ إنّه يدعو مَن كانوا في ضلال ويعبدون المخلوق بدلاً من الخالق أن يأتوا إلى المعرفة الحقيقيّة لله.

    + هو يريد لكلّ مَن يَقتَرب منه أن يتلألأ بأمجاد البِرّ، وأن يكون بلا عيب وصالحًا، لطيفًا ورحيمًا، حكيمًا وقدّيسًا وحياته مستقيمة وبلا لوم. لذلك هم بدهاء عظيم قالوا إنّه يُعَلِّم، لكنّهم صمتوا من جهة طبيعة تعاليمه.

    + انظروا! إنّ مَن يَعرِفون الشرائع الإلهيّة، ويقولون بكبرياء وبعجرفة "نحن تلاميذ موسى"، يُطالِبون بالحُكم بالموت على مَن هو غير مُذنِب بأيّ إثم، بل مَن هو رأس ومُعَلِّم كلّ تقوى.. لقد هجموا على المسيح كأسدٍ، وأطلَقوا ضدّه صيحةً تتّسم بالقسوة وعدم الشفقة. أمّا نحن فنُسَبِّح المسيح الذي تألّم بالجسد بدلاً عنّا.

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 151) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف