أكرم ألفي
تُجري الولايات المتحدة كل 10 سنوات تعداداً لإحصاء السكان؛ إذ تعيد النتائج رسم الخريطة السياسية من خلال إعادة توزيع مقاعد مجلس النواب — وما يتبع ذلك من إعادة توزيع لأصوات المجمع الانتخابي — استناداً إلى التغيرات في التوزيع السكاني.
وفي تقرير لـ"إيكونومست" أشار إلى أن التوقعات الخاصة بالتعداد السكاني المقبل عام 2030 تبين أن الآفاق الديموجرافية لـ "أمريكا الحمراء" (المناطق الجمهورية) أضعف مما يُعتقد عادةً.
لنبدأ بالأخبار السارة بالنسبة للمعسكر اليميني؛ إذ يتغير حجم السكان صعوداً وهبوطاً بناءً على معدلات الخصوبة والهجرة.
وللوهلة الأولى، يبدو أن الجمهوريين يتمتعون بالأفضلية في كلا الجانبين. فعبر دمج سجلات المواليد مع البيانات السكانية المصنفة حسب العمر والجنس لتقدير معدلات الخصوبة في أكثر من 3000 مقاطعة. ففي عام 2024، بلغ معدل الخصوبة 1.8 طفل لكل سيدة في المقاطعات التي تصوت عادةً للجمهوريين، مقارنة بـ 1.4 فقط في المقاطعات التي تصوت للديمقراطيين
وتكمن المشكلة في مراحل لاحقة من العمر؛ فالمقاطعات التي تصوت للجمهوريين بانتظام تميل لأن تكون ذات تركيبة سكانية أكبر سناً، لكنها تسجل معدلات وفيات أعلى بكثير.
وقد خلصت دراسة نُشرت عام 2022 -أعدها حيدر واريش إلى أن معدل الوفيات المُعدَّل في المقاطعات "الحمراء" (الجمهورية) كان أعلى بنسبة 16% منه في المقاطعات "الزرقاء" (الديمقراطية) عام 2019. وعند تحديث تحليلهم نحد بحسب تقرير "إيكونومست" أن الفجوة اتسعت لتصل إلى 18% بحلول عام 2024، وإلى 27% عند مقارنة المقاطعات الأكثر ولاءً للحزبين الجمهوريي والديمقراطي.
وهذا يعني أن عدد الوفيات بات الآن يفوق عدد المواليد في المقاطعات التي تصوت للجمهوريين بانتظام، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1982 على الأقل. فقد انخفض معدل النمو السكاني الطبيعي في المقاطعات الجمهورية الرئيسية إلى -2.0% لكل 1000 نسمة خلال الجائحة، ويبلغ حالياً -0.4%؛ في حين يبلغ هذا المعدل +2.8 في المقاطعات الديمقراطية.
لا يزال بإمكان أمريكا المحافظة أن تنمو بفضل الهجرة. وتُظهر إحصاءات "إيكونومست" أن الهجرة الداخلية تاريخيًا قد قادت إلى زيادة عدد سكان المقاطعات الجمهورية بنسبة 0.5% سنويًا تقريبًا، بينما خسرت المقاطعات الديمقراطية 0.6%. وينطبق العكس على الهجرة الدولية، التي أضافت تاريخيًا 0.5% سنويًا إلى المقاطعات الديمقراطية، مقارنةً بـ 0.1% فقط في المقاطعات الجمهورية.
غالبًا ما تُعتبر الهجرة الداخلية دليلًا على إعادة تنظيم سياسي نحو أمريكا المحافظة. ويصوّر الاستراتيجيون الجمهوريون هؤلاء الوافدين الجدد على أنهم منفيون سياسيون من الولايات الديمقراطية، هاربين من الضرائب المرتفعة واللوائح التنظيمية الصارمة والسياسات التقدمية. وبحسب جوناثان سيرفاس من جامعة كارنيجي ميلون أنه بعد تعداد عام 2030، فإنه قد تُضيف تكساس 4 مقاعد إلى مجلس النواب، وفلوريدا 3 مقاعد. بينما قد تخسر كاليفورنيا 4 مقاعد، ونيويورك وإلينوي مقعدًا واحدًا لكل منهما.
لكن هذه الزيادة السكانية قد لا تُترجم إلى أصوات جمهورية.
حيث تُظهر بيانات دائرة الإيرادات الداخلية أن المقاطعات الجمهورية الأسرع نموًا تستقطب نسبة كبيرة بشكل غير معتاد من الوافدين الجدد من مناطق ذات توجهات سياسية معادية.
ففي الفترة 2022-2023، جاء أكثر من 20% من الوافدين الجدد للمناطق الجمهورية من مناطق ذات أغلبية ديمقراطية، ونحو 40% من مناطق ذات توجهات تنافسية. وقد يكون هذا قد بدأ بالفعل هذا التحول يؤثر على أنماط التصويت.
فقبل عام 2016، كانت المقاطعات الجمهورية الأسرع نموًا تميل أكثر إلى الجمهوريين من المقاطعات الأبطأ نموًا. أما الآن فقد انقلب الوضع: فالمقاطعات الجمهورية الأبطأ نموًا تميل أكثر إلى الجمهوريين، وضعف دعم الحزب الجمهوري في المقاطعات الأسرع نموًا.
وفي انتخابات التجديد النصفي لهذا العام، ربما ساهمت هذه التوجهات في جعل مقعد في مجلس الشيوخ في ولاية تكساس ذات الأغلبية الجمهورية محل صراع شرس، وجعلت إعادة انتخاب جون أوسوف، الديمقراطي، أكثر احتمالًا في جورجيا. وإذا استمرت هذه التحولات، فقد يتوقف الجمهوريون عن التباهي بانتقال الديمقراطيين إلى ولاياتهم.!!
هذا المقال في "إيكونومست" التي ترجمتها بأكثر قدر من الحيادية ومن الدقة تشير إلى أهمية دراسة الديموجرافيا السياسية للولايات المتحدة لفهم التحولات السياسية المستقبلية وفهم كيف تحولت ولايات من ولايات محسومة مسبقاً لأي من الحزبين إلى ولاية تنافسية تشهد صراعاً شرساً للفوز بأصوات الناخبين..





