د. عايدة نصيف
بنظرة الى العالم في السنوات الأخيرة نجد مرحلة شديدة التعقيد من التحولات الجيوسياسية، ربما تكون من أهم مراحل إعادة تشكيل النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. فبعد عقود اتسمت بتفوق أمريكي واضح، أخذت مراكز جديدة للقوة في الظهور، وأصبحت العلاقات الدولية محكومة بدرجة متزايدة بالتنافس على النفوذ والموارد والتكنولوجيا والممرات الاستراتيجية. ولم يعد الصراع بين القوى الكبرى مقتصرًا على القوة العسكرية أو السيطرة على الأراضي، بل امتد إلى الاقتصاد والطاقة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والفضاء السيبراني، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مستقبل السلام الدولي: هل يستطيع العالم إدارة هذا التنافس دون الانزلاق إلى مواجهات أوسع؟
تظل الولايات المتحدة قوة رئيسية في النظام الدولي بما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية وشبكة واسعة من التحالفات، إلا أن صعود الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا، واستمرار روسيا كقوة عسكرية كبرى، وتنامي أدوار قوى مثل الهند والاتحاد الأوروبي وتركيا، جعل النظام الدولي أكثر تعددية وتعقيدًا. ولذلك لم يعد الحديث يدور فقط حول انتقال القوة من دولة إلى أخرى، وإنما حول تعدد مراكز التأثير واختلافها من مجال إلى آخر؛ فقد تتمتع دولة بتفوق عسكري، بينما تمتلك أخرى نفوذًا اقتصاديًا أو تكنولوجيًا أكبر، وهو ما يجعل موازين القوة أكثر تشابكًا وأقل قابلية للحساب بالمعايير التقليدية.
وتأتي الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها أحد أبرز مظاهر هذا التحول، إذ تجاوزت تداعياتها حدود روسيا وأوكرانيا لتؤثر في منظومة الأمن الأوروبي والعلاقات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي وأسواق الطاقة والغذاء والإنفاق العسكري. وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ يتصاعد التنافس الأمريكي الصيني، حيث تتداخل قضايا تايوان وبحر الصين الجنوبي مع المنافسة في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتجارة وسلاسل الإمداد. وهكذا أصبحت التكنولوجيا جزءًا من مفهوم الأمن القومي، وتحولت القدرة على إنتاج المعرفة والابتكار إلى أحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين.
وفي الشرق الأوسط تزداد الصورة تعقيدًا بسبب تداخل الأزمات الإقليمية مع مصالح القوى الدولية. فالمنطقة لا تزال تحتفظ بأهميتها الاستراتيجية لما تمتلكه من موارد للطاقة، فضلًا عن موقعها الجغرافي وسيطرتها على ممرات بحرية حيوية مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز. كما أن الصراعات والتوترات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب استمرار القضية الفلسطينية، تجعل أمن الشرق الأوسط مرتبطًا بدرجة كبيرة بالأمن الدولي. ومن هنا فإن أي تصعيد واسع في المنطقة يمكن أن تنتقل آثاره سريعًا إلى الاقتصاد العالمي من خلال أسعار الطاقة وحركة التجارة والملاحة وسلاسل الإمداد.
وتكشف هذه التطورات أن الجغرافيا لم تفقد أهميتها في عصر العولمة، وإنما اكتسبت أبعادًا جديدة. فالدولة التي تتحكم في ممر بحري مهم، أو تمتلك احتياطيات استراتيجية من الطاقة والمعادن، أو تحتل موقعًا مؤثرًا بين مناطق الإنتاج والأسواق العالمية، تستطيع توظيف هذه العناصر لتعزيز مكانتها الدولية. ومن هنا أصبح الصراع على الممرات البحرية والموانئ ومصادر الطاقة والمعادن النادرة جزءًا أساسيًا من التنافس بين القوى الكبرى.
وفي الوقت نفسه، يشكل تصاعد الإنفاق العسكري العالمي مؤشرًا على تنامي الشعور بعدم الاستقرار. مع استمرار الاتجاه التصاعدي للإنفاق الدفاعي. ولا تكمن المشكلة في امتلاك الدول القدرة على الدفاع عن نفسها، وإنما في ما يعرف بـ«المعضلة الأمنية»، حيث تنظر دولة إلى زيادة قدراتها العسكرية باعتبارها وسيلة لحماية أمنها، بينما تراها دولة أخرى تهديدًا يدفعها بدورها إلى زيادة التسلح، فتدخل الأطراف في دائرة متصاعدة من الشك والخوف وسباق القوة.
ولا يقل الصراع الاقتصادي خطورة عن التنافس العسكري؛ فقد أصبحت العقوبات والقيود التجارية والتحكم في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد أدوات تستخدمها الدول لتحقيق أهداف استراتيجية. ومع اتساع هذه الممارسات، قد تتحمل الدول النامية جانبًا كبيرًا من التكلفة رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا في الصراعات، من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطراب التجارة وتراجع الاستثمارات. ولذلك فإن استمرار الانقسام الاقتصادي العالمي يمكن أن يضيف أبعادًا جديدة إلى عدم الاستقرار السياسي والأمني.
وأمام هذه البيئة الدولية المضطربة، يبدو مستقبل السلام مرتبطًا بقدرة القوى الكبرى على إدارة تنافسها وليس بإمكانية إنهائه. فاختلاف المصالح حقيقة طبيعية في العلاقات الدولية، ولكن الخطورة تبدأ عندما تغيب قواعد إدارة الاختلاف وتضعف قنوات الحوار. ومن ثم فإن العالم يحتاج إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية الوقائية، وتعزيز آليات الوساطة وتسوية النزاعات، والالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول، إلى جانب تطوير اتفاقات جديدة للحد من التسلح وتنظيم الاستخدام العسكري للتكنولوجيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التشغيل.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير المؤسسات الدولية بما يجعلها أكثر قدرة على التعامل مع التحولات الجديدة في موازين القوة. فالمؤسسات التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية تواجه اليوم أزمات وحروبًا وتحديات تكنولوجية واقتصادية لم تكن موجودة عند إنشائها. ولذلك فإن إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز تمثيل الدول النامية وتفعيل أدوات تسوية النزاعات يمكن أن يشكل جزءًا أساسيًا من بناء نظام دولي أكثر استقرارًا.
إن مستقبل العالم ليس محكومًا حتميًا بالحرب، كما أنه لا يضمن السلام بصورة تلقائية. فالسيناريو الذي سيتحقق سيتوقف إلى حد كبير على القرارات التي تتخذها الدول وكيفية إدارتها لمصالحها وتنافسها. وإذا استمر سباق التسلح وتراجعت الدبلوماسية، فإن احتمالات الأزمات والتصعيد ستظل قائمة، أما إذا أدركت القوى الكبرى أن الأمن لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن الآخرين، فقد يصبح من الممكن بناء توازن دولي يقوم على إدارة المصالح المتعارضة دون تحويلها إلى مواجهات عسكرية.
واستطيع القول ان التحدي الأكبر أمام القوى الكبرى ليس في قدرتها على امتلاك أدوات القوة، وإنما في قدرتها على استخدامها بمسؤولية. فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة توزيع القوة، بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة وإحياء الدبلوماسية وترسيخ احترام القانون الدولي. والسلام الحقيقي لن يتحقق بانتصار قوة على أخرى، وإنما بوجود نظام قادر على إدارة التنافس، ومنع الحروب، وتحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى مجال للتفاوض والتعاون. وهنا تكمن مسؤولية المجتمع الدولي في الانتقال من منطق صراع القوة إلى قوة السلام.
نقلا عن الحرية





