أكرم ألفي
بدأت باكستان الطريق إلى نهاية الانفجار السكاني متأخرًا بسبب تأخر التنمية والتأجيل المتكرر لبدء تطوير التعليم والمنظومة الصحية، فقد قاد تأخر التنمية الاقتصادية في باكستان إلى بدء عملية تراجع النمو السكاني متأخرًا، وهو ما يدفع إلى سيناريو الانهيار السريع للخصوبة وفقدان فترة طويلة من مرحلة "الهبة الديموجرافية".
باكستان يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 252.09 مليون نسمة، من بينهم 15 مليون نسمة في الخارج، وهي دولة سجلت أحد أعلى معدلات الخصوبة في آسيا بنحو 3.6 طفل لكل سيدة في 2024، مقابل 4 أطفال لكل سيدة في 2018 بانخفاض 10% في 6 سنوات.
بحسب إكرام الأحد Ikram ul Ahad، الخبير الديموغرافي الباكستاني، تسير باكستان في طريق التنمية وخفض النمو السكاني معًا، حيث بدأت آثار ارتفاع معدلات التعليم تعطي ثمارها، فقد ارتفعت نسبة الفتيات في الجامعات الباكستانية إلى نحو 40% من إجمالي الطلاب، إلى جانب ارتفاع نسبتهن في التعليم الابتدائي والثانوي بنحو 30% مقارنة ببداية القرن الحالي.
إن ارتفاع معدلات تعليم الفتيات في باكستان ونمو الحضر قاد إلى تراجع واضح في زيادة عدد المواليد، حيث ارتفع من 6,855 مليون طفل في 2022 إلى 6,909 مليون طفل في 2025، بزيادة نحو54 ألف طفل فقط ، بينما كانت باكستان تسجل بداية القرن الحالي زيادة تصل إلى 80 ألف طفل سنوياً في عدد المواليد.
باكستان تسعى اليوم إلى تقليل الفجوة الهائلة بين أقاليمها وبين الحضر والريف في التنمية الاقتصادية وتوفر خدمات التعليم والصحة، فعلينا أن ندرك أنه، على سبيل المثال، فإن معدل انتظام الفتيات في التعليم الابتدائي بإقليم البنجاب الأكثر تطورًا بلغ 90%، فيما لم يتجاوز 56% في إقليم بلوشستان الأكثر فقرًا. هذا التباين يزداد في التعليم الثانوي، حيث تلتحق 62% من فتيات البنجاب بالتعليم الثانوي، مقابل 20% في إقليم بلوشستان.
وعودة إلى الخبير الباكستاني إكرام الأحد، فإن ارتفاع معدلات التعليم والتحولات الاجتماعية الراهنة في باكستان تواجه إشكالية عدم توفر وسائل تنظيم الأسرة، حيث أظهرت البيانات الرسمية أن 17% من الأزواج في باكستان يعانون من عدم توفر وسائل تنظيم الحمل، وأن نسبة الاستخدام لا تتجاوز 40% بسبب افتقاد الخدمات الصحية في الأقاليم الأكثر فقرًا، وخاصة بلوشستان.
البيانات الباكستانية تشير إلى أن الفجوة تنعكس في معدلات الخصوبة، حيث لا تتجاوز معدلات الخصوبة في المدن حاليًا 3 أطفال لكل سيدة. ويشير بيان رسمي إلى وجود 26 مليون طفل خارج المدارس، أغلبهم في المناطق الريفية والأقاليم الفقيرة، وهو ما يجعل باكستان تواجه صعوبة في الاستفادة من "العائد الديموغرافي" الذي يتيحه لها مجتمعها الشاب.
وفي محاولة لسد الفجوة بين الحضر والريف، طرح مجلس السكان في باكستان مبادرة "كارين زندگي آسان"، والتي تركز على النساء الفقيرات والمهمشات لتمكينهن من الحصول على خدمات تنظيم الأسرة الجودة دون مقابل.
ارتفاع معدلات تعليم الفتيات في باكستان دفع نحو المزيد من تراجع معدلات الخصوبة وخفض النمو السكاني إلى 1.6% فقط سنويًا، بعد أن كان 2.5% في عام 2000.
باكستان تعد من البلدان المتأخرة خطوة عن مصر، فهي تعاني من الفجوة الهائلة بين الحضر والريف كما في مصر، وتركز النمو السكاني في أقاليم بعينها كما في صعيد مصر، وتراجع النمو السكاني بها يسير بنفس الوتيرة المصرية، ففيما نمو مصر سكانيًا حاليًا بنحو 1.3% سنويًا، فإن باكستان قد تصل إلى هذا المعدل في 2028.
في النهاية، أدركت باكستان أن التنمية وتعليم الفتيات هو الطريق الرئيسي لتحقيق نمو سكاني معتدل ووقف الانفجار السكاني.. ولكن المخاوف تتلخص في أن التنمية التي تأتي متأخرة قد تدفع نحو انهيار مفاجئ في الخصوبة قد يهدد مرحلة "العائد الديموجرافي" الذي يوفر لباكستان العائد المالي عبر شبابها المغترب في الخليج العربي وبريطانيا وأوروبا وأمريكا.





