حين يصبح الحوار جسرًا.. «أديان» تجمع 6 دول عربية حول الدين والمواطنة وخدمة الخير العام
من المواطنة إلى مواجهة الكراهية.. «أديان» تختتم برنامجًا تدريبيًا بمشاركة 17 خريجًا من 6 دول عربية
ورشة تدريبية تجمع مصر ولبنان وسوريا والعراق والمغرب واليمن حول المسؤولية الاجتماعية الدينية والخير العام
رسالة لبنان: نادر شكري
على مدار ثلاثة أيام، جمعت مؤسسة «أديان» في لبنان مجموعة من قادة الفكر والدين والباحثين والمشاركين من ست دول عربية، هي مصر ولبنان وسوريا والعراق والمغرب واليمن، ضمن ورشة تدريبية تناولت عددًا من القضايا المرتبطة بدور الدين في المجال العام، والمسؤولية الاجتماعية الدينية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وحماية الطفل، ومواجهة خطاب الكراهية، إلى جانب توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الفكري والإعلامي.
وجاءت الورشة في إطار برنامج "المسؤولية الاجتماعية الدينية في خدمة الخير العام"، والذى تشرف على تنسيقه " مها خلف" بمشاركة فريقه عمل المؤسسة والذي سبق أن خضع المشاركون فيه لتدريب أكاديمي عبر جلسات إلكترونية امتدت لنحو ثلاثة أشهر، تناولت مفاهيم المواطنة، والأديان وحقوق الإنسان، وقيم الحياة العامة في المجتمع المحلي، القواسم في الدساتير، إضافة إلى سبل مواجهة خطاب الكراهية وتحويل القيم الدينية والإنسانية إلى ممارسات تخدم الصالح العام.
الذكاء الاصطناعي في خدمة البحث والإعلام
بدأ اليوم الأول بجلسة عملية حول أدوات الذكاء الاصطناعي، قدمها المدرب سيرجيو مكرزل، خبير تطوير الأعمال والإدارة الاستراتيجية، وركزت الجلسة على كيفية الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وإنتاج المحتوى وتنظيم الأفكار.
كما تلقى المشاركون تدريبًا على هندسة الأوامر «Prompt Engineering»، ومفهوم «Temperature» في نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التعريف بأداة «NotebookLM» واستخداماتها في التعامل مع المواد والمصادر.ولم تقتصر الجلسة على الجانب النظري، وإنما تضمنت تطبيقات عملية شارك فيها الحاضرون، بهدف اختبار إمكانات الأدوات الجديدة في المجالات البحثية والتعليمية والإعلامية.
كما دار نقاش حول العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا الجديدة، وكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة، مع الحفاظ على دور الإنسان في التفكير والتحقق واتخاذ القرار.
"كلمتك جسر".. مواجهة خطاب الكراهية بخطاب بديل
واختُتم اليوم الأول بعرض مشروعات ست مجموعات، جاءت نتاجًا للبرنامج التدريبي الذي تلقاه المشاركون على مدار ثلاثة أشهر، وحاولت كل مجموعة ترجمة ما درسته إلى مشروع عملي مرتبط باحتياجات المجتمع وقضايا الخير العام.
ومن بين المشروعات، مشروع حول مواجهة خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حمل عنوان "كلمتك جسر.. الخطاب البديل لخطاب الكراهية، وأيضا تناول أخرين دور رجال الدين في مواجهة خطاب الكراهية، وتناول اخرين قضايا البيئة في الأديان، وتنوعات موضوعات مجموعات العمل لتشمل رؤية وفكر يعبر عن البرنامج المشمول لمؤسسة أديان خلال فترة الدورة التدريبة حول قضايا قبول الآخر ومناهضة خطاب الكراهية وحقوق الانسان، والدين وخدمة المجال العام. والتأكيد أن الكلمة يمكن أن تؤدي دورين متناقضين؛ فقد تتحول إلى أداة لعزل الآخر وإقصائه، أو تصبح جسرًا يقرب المسافات ويفتح المجال أمام الحوار، كما تضمن نشاطًا تفاعليًا لتدريب المشاركين على التمييز بين الرأي وخطاب الكراهية والعبارات الملتبسة.
من "خطاب الكراهية" إلى "خطاب إنساني بديل"
عرض المشروع نماذج لخطابات منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي منسوبة إلى إعلاميين أو قادة فكر ورأي، ثم جرى تدريب المشاركين على إعادة صياغتها، بحيث تنتقل من لغة الإقصاء أو التعميم أو التحريض إلى خطاب بديل أكثر مسؤولية يقوم على عرض الفكرة واحترام الإنسان المختلف.
واختُتم المشروع بتدريب عملي تحت اسم "خط الكراهية"، شارك فيه الحاضرون من خلال الوقوف على خط واحد والانتقال بين مواقف مختلفة وفقًا لتقييمهم للعبارات المطروحة، وما إذا كانت تمثل رأيًا أو خطاب كراهية أو تقع في منطقة ملتبسة بينهما.
وطرح التدريب فكرة أساسية مفادها أن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون بإنتاج «كراهية مضادة»، وإنما بتقديم خطاب إنساني بديل يعمل على توضيح الحقيقة، واحترام الاختلاف، والبحث عن المساحات المشتركة بين أفراد المجتمع.
المسؤولية الاجتماعية الدينية.. من المفهوم إلى الممارسة
وفي اليوم الثاني، تناولت القسيسة ليندا مكتبي مفهوم المسؤولية الاجتماعية الدينية، في ضوء خبرتها في العمل الديني والمجتمعي والحوار.وتعد ليندا مكتبي قسيسة إنجيلية لبنانية، درست علم النفس وحصلت على ماجستير في اللاهوت، كما عملت في مجالات مرتبطة بالشباب والحوار، وتولت تنسيق لجنة منتدى المسؤولية الاجتماعية الدينية في مؤسسة أديان.
وركز اللقاء على أهمية أن يبدأ الإنسان من معرفة قدراته وإمكاناته، وأن يدرك المجالات التي يستطيع من خلالها إحداث تأثير حقيقي في المجتمع، بدلًا من النظر إلى المسؤولية الاجتماعية باعتبارها مفهومًا نظريًا منفصلًا عن الحياة اليومية.كما تناول النقاش كيفية مواجهة التحديات المجتمعية من خلال العمل المشترك، وربط القيم الدينية بالممارسة، بحيث تتحول مفاهيم مثل المحبة والتضامن والكرامة الإنسانية إلى سلوك ومبادرات ومواقف في مواجهة مشكلات المجتمع.
حماية الطفل مسؤولية دينية وإنسانية ومجتمعية
وتناول لقاء آخر، بمشاركة الشيخ ربيع قبيسي والقسيسة ليندا مكتبي، دور القادة الدينيين في حماية حقوق الطفل، من خلال التعريف بالمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الأطفال، ومناقشة كيفية توظيف المرجعيات الدينية في دعم هذه الحقوق.
واستعرض اللقاء نماذج من النصوص والآيات في الإسلام والمسيحية التي تؤكد حماية الطفل وصون كرامته ورعايته، مع التأكيد على أن المسؤولية عن حماية الأطفال لا تقع على الأسرة وحدها، وإنما تشمل المؤسسات الدينية والتعليمية والمجتمعية وكل من يمتلك قدرة على التأثير.
وتأتي مشاركة قبيسي ومكتبي في هذا المجال في سياق عمل سابق لهما في إعداد دليل للقادة الدينيين حول حماية حقوق الطفل، يؤكد أن حماية الطفل واجب ديني وإنساني ومسؤولية مجتمعية.
الدين والمجال العام.. قراءة النص في سياقه
وفي لقاء آخر، تحدث الدكتور وجيه قانصو، المفكر والباحث والأكاديمي اللبناني، حول قضايا مرتبطة بالفكر الديني وقراءة النصوص وعلاقة الدين بالمجال العام، وأهمية معرفة قراءة النص الديني بين السياق والتاريخ.
وتناول النقاش كيفية التعامل مع الاختلاف الديني والفكري، ودور القراءة النقدية في تجاوز القراءات المغلقة، بما يسمح بفهم أكثر تعقيدًا للعلاقة بين النص الديني والواقع الإنساني المتغير.كما ناقش المشاركون مسؤولية القائد الديني والمفكر في المجال العام، والحدود الفاصلة بين تقديم الرؤية الدينية والمشاركة في القضايا المجتمعية، مع التأكيد على أهمية احترام التعددية والاختلاف.
وشاركت بالحضور الدكتوره نائلة طبارة وهى خبيرة لبنانية متخصصة في العلوم الدينية، وتحمل درجة البكالوريوس والماجستير في التاريخ، وهي مديرة قسم الدراسات في التلاقي الثقافي، وساهمت خلال فترة التدريب الالكتروني بتقديم رؤية تدريبة للمشاركين.
الهرمنطيقا.. فهم النصوص الدينية في سياقاتها
وفي اللقاء الرابع، تناول الأب جي سركيس فلسفة الهرمنطيقا وتطبيقاتها على الكتاب المقدس، موضحًا أهمية أدوات التأويل في فهم النصوص، والانتقال من القراءة المباشرة إلى محاولة فهم السياقات والدلالات المختلفة للنص.
وفتح اللقاء نقاشًا حول العلاقة بين النص والقارئ والسياق، وكيف يمكن للمنهج التأويلي أن يساعد في التعامل مع النصوص الدينية بعيدًا عن القراءة الانتقائية أو إسقاط تصورات معاصرة عليها دون الانتباه إلى سياقها التاريخي والثقافي.
طرابلس.. الانتقال من قاعات التدريب إلى المجتمع
واختتمت الورشة في يومها الثالث بجولة في مدينة طرابلس، انتقل خلالها المشاركون من جلسات النقاش والتدريب إلى التعرف على المدينة ومساحاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية.
وجاءت الجولة التي قادتها المرشدة السياحية " ميرا منقارة " جزءًا من التجربة التدريبية، بما أتاح للمشاركين التعرف بصورة مباشرة إلى مدينة تحمل تنوعًا تاريخيًا ودينيًا واجتماعيًا، وربط النقاشات التي دارت داخل قاعات الورشة بالسياق المحلي الذي تتفاعل فيه مفاهيم المواطنة والتنوع والحوار والمسؤولية الاجتماعية.
17 خريجًا من ست دول عربية
وضمت قائمة الخريجين من الدول العربية الست 17 خريجًا وخريجة، وهم:
مهند شاكر، فيولا عبد المسيح، رضا الهادي، إبراهيم البرزنجي، شائف عبدالله، المحجوب داسع، حسين زينل، أهجو رقية، ميلاد حنا، مختار علي، نادر شكري، رامي شاقول، عمار ياسين، بيتر مجدي، زينب قنديل، بيتر عادل، وماريا قباره.
وقد جمع البرنامج مشاركين من خلفيات ومجتمعات مختلفة، في تجربة هدفت إلى الانتقال من المعرفة النظرية إلى التدريب العملي والمشروعات الجماعية المرتبطة باحتياجات المجتمع وقضايا الخير العام.
أديان.. التنوع والحوار في خدمة الخير العام
وتُعرّف المادة مؤسسة «أديان» باعتبارها مؤسسة مدنية لبنانية مستقلة تُعنى بتعزيز التنوع الديني والتضامن الإنساني، وبناء مجتمعات أكثر شمولًا من خلال الحوار بين الأديان والثقافات، وتعمل على تطوير برامج في مجالات المواطنة والتعليم والقيادة الدينية والسلام وحقوق الإنسان ومواجهة خطاب الكراهية، انطلاقًا من تعزيز القيم المشتركة والمسؤولية الاجتماعية الدينية وتحويلها إلى ممارسات تسهم في خدمة الصالح العام.





