بقلم الأب يسطس الأورشليمى
     في الإصحــــاح الثاني:2 تي يحدثنابولس الرسول  بعد أن كشف عن رُوح القُوة الذي يعمل في حياة الراعي خلال صليب رّبنا يسُوع المسيح، الرُوح الذي ننعم به بواسطة الرُوح القُدس الساكن فينا، يتحدث هنا عن الجهاد في الخدمة، موضحاً كيف يحيا الخادم برُوح القُوة مجاهداً كُل أيامه. حيث يقول "فتقوّ أنت يا ابني بالنعمة التي في المسيح يسُوع "(1)

     هنا يتحدث عن جهاد الخادم في تلمذته آخرين للعمل في كرم الرّب وفي اهتمامه بخلاص الآخرين دُون أن يفسد وقته بالمناقشات الباطلة ويحطم سلامه بالخصُومات المُفسدة، قدم النعمة الإلهية كسرّ القُوة في الجهاد إنه يوصي تلميذه كابن رُوحي له أن يتقوى في الجهاد لا بالغيرة والحماس الذاتي، وإنما بالنعمة التي تُوهب لنا في المسيح يسُوع رّبنا، يطلب منه أن يحتمي في النعمة حتى يقدر أن يجاهد قانُونياً من خلال يسُوع المسيح، لذلك يقُول: 

"تقوُوا في الرّب وفي شدة قُوته" (أف10:6).. "وما سمعته مني بشهُود كثيرين، أودعه أناساً أمناء،يكُونُون أكفاءً أن يُعلّمُوا آخرين أيضاً"، راجع (1-3)
لا تقف أمانته في جهاده واهتمامه بخلاص الآخرين، وإنما يود أيضاً في هُؤلاء التلاميذ أن يتلمذُوا جيلاً قادراً على التعليم، هذا هُو الجهاد الحقيقي، أو القيادة الرُوحية السليمة، وهُو أن يُقيم الراعي تلاميذ قادرين بدُورهُم أن يتلمذُوا أناساً أكفاء قادرين على التلمذة، تلمذة غير مُنقطعة خلال الأجيال لقبُول وديعة الإيمان الحيّ العملي بلا أي انحراف..

فاشترك أنت في احتمال المشقات كجنديّ صالح ليسُوع المسيح ليس أحدٌ وهُو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يُرضي من جنده وأيضاً إن كان أحدٌ يجاهد، لا يُكلّل إن لم يُجاهد قانُونياً (3-5)

كما أن الجندي الصالح الذي يعتز بأمانته لبلده ورئيسه، إنما يُحارب لحساب وطنه، هكذا المسيحي في جهاده الرُوحي يُحارب إبليس والخطية تحت قيادة رّب المجد نفسه، ويدعُوه قائد خلاصنا الذي غلب إبليس على الصليب ولا يزال يغلبه من خلالنا (عب10:2؛ رؤ37:8)

إنها كرامة عظيمة أن نُحسب جنُود رُوحيين للرّب، من أجله تهُون كُل المشقات والآلام، فإذ قبلنا هذه الجندية الرُوحية يلزمنا ألا نرتبك بأعمال الحياة اليومية، لأنها لا تليق بالذين كرسُوا حياتهُم لخدمة الكلمة..

المتسابقُون في الألعاب الرياضية يُناضلُون من أجل نوال الإكليل والفوز  فيحتملُون تداريب يومية، ويمتنعُون عن بعض الأطعمة والملذات، ونحنُ يلزمنا أن نجاهد قانونياً، أي حسب شريعة ربنا يسُوع المسيح لكي ننعم بالنُصرة الرُوحية، هكذا يليق بالمُؤمن أن يجاهد لكن ليس بذاته وإنما تحت قيادة سيده المُدرب الحقيقي، برُوح كنيسته وفكرها الإنجيلي الآبائي حتى لا ينحرف يميناً أو يساراً في تطرف، أو مبالغة مما يفقده حياته على الأرض وإكليله السماوي، فالجهاد متى كان قانُونياً يصير مفرحاً..

     اُذكر يسُوع المسيح المُقام من الأموات، من نسل داود بحسب إنجيلي الذي فيه أحتمل المشقات حتى القيُود كمذنبٍ، لكن كلمة الله لا تُقيد..

قاد المسيح المعركة الرُوحية بنفسه ضد الموت، فدخل إليه لكي يكسر شوكته في عقر داره، فتجسد كلمة الله لكي يدخل بالجسد إلى الموت وإذ لا يستطيع الموت أن يحبسه ولا للفساد أن يقترب إليه، يقوم بسُلطانه لكي يُقيمنا معه ويدخل بنا إلى الحياة الجديدة المُقامة..

لقد صار ابناً لداود وخضع للآب عوضاً عنا، وقبل الموت بإرادته حتى نُحسب نحنُ طائعين لأبيه فيه وننعم بقُوة القيامة التي له، وكما قال الرسُول: فدفنا معه بالمعمُودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحنُ أيضاً في جدة الحياة (رو4:6)..

بعد أن قدم الرسُول المسيح مثالاً أعظم لاحتمال الآلام والقيُود من أجل خلاصنا، عاد ليُقدم نفسه مثالاً يقتدي أثر سيده، إذ يقُول: "لأجل ذلك أنا أصبر على كُل شيءٍ لأجل المُختارين، لكي يحصلُوا هُم أيضاً على الخلاص الذي في المسيح يسُوع.."

لقد أحتمل سيدي المشقات من أجل خلاصي، ولم يكن ممكناً للقيُود أن تُعطل عمله، وها أنا أحتمل بصبر أيضاً من أجل أخُوتي المُختارين، لكي ينعمُوا بالخلاص، وتكُون لهُم معي شركة في المجد الأبدي..

صادقة هي الكلمة: أنه إن كُنا قد مُتنا معه فسنحيا أيضاً معه، إن كُنا نصبر فسنملك أيضاً معه، إن كُنا نُنكره فهُو أيضاً سيُنكرنا، إن كُنا غير أمناء فهُو يبقى أميناً، لن يقدر أن يُنكر نفسه (11-13).. 

هذا هُو النشيد الذي يليق بكُل جندي رُوحي ليسُوع المسيح أن يتغنى به أثناء معركته ضد إبليس، إنها تسبحة الإيمان بالمسيح المصلوب القائم من الأموات، فيها نُعلن قبُولنا الموت معه لأجل التمتع بالحياة معه..

نُعلن في هذه التسبحة سمات الجندي الرُوحي للرّب يسُوع: الموت عن الخطية، الصبر وسط الآلام، الشهادة له والأمانة حتى الموت..

"فكّر بهذه الأمور، مُناشداً قُدام الرّب أن لا يتماحكُوا بالكلام، الأمر غير النافع لشيءٍ لهدم السامعين، اجتهد أن تقيم نفسك لله مُزكى، عاملاً لا يُخزى، مُفصلاً كلمة الحقّ بالاستقامة"، راجع (14-16)

يُطالبه أن يُذكّر الشعب ويوصيهُم قدام الرّب أن يتركُوا كثرة الكلام الذي يهدم النفس، وأن يهتم بالحياة العملية المجاهدة، وليكن كُل فكره مُتجهاً إلى التزكية قدام الله، ويبذل كُل جهده أن يكُون كالعامل الذي يحتمل المشقات لأجل الإنجيل، أي التمتع بكلمة الحقّ الرّب يسُوع..

وكأن الراعي الصالح ينزع بسيف الرُوح من كرازته كُل ما هُو غريب عن الحقّ، وبهذا يُحصن الرسُول تلميذه من الغنُوسيين الذين يفسدُون وقتهُم بما يلقبُونه خطأ المعرفة، وهي فلسفة كلام بعيداً عن الإيمان..

خلال هذه المعرفة يظنُون أن الجسد عنصر ظُلمه خالقه إن لم يكن شريراً، فهُو أقل من خالق الرُوح، هذه العقيدة جعلتهُم يرفضُون القيامة من الأموات، وقدمت لهُم مفهُوماً دنساً من جهة الزُواج وبعض الأطعمة بكُونها أمُور نجسة مُحرمة، ودفع بعضهُم إلى عدم المبالاة بالنسبة لتقديس الجسد فرأوه كعنصر ظُلمة يُترك له العنان في شهواته بلا ضابط، وهكذا ينحرفُون من فكرة إلى أخرى، ومن شرّ إلى شرّ، لذلك يقُول الرسُول:

"وأما الأقوال الباطلة الدنسة فاجتنبها، لأنهُم يتقدمُون إلى أكثر فجُورٍ وكلمتُهم ترعى كآكلة، الذين منهُم هيمينايُس وفيليتُس، اللذان زاغا عن الحقّ، قائلين: إن القيامة قد صارت، فيقلبان إيمان قومٍ" (16-18)

قالا بأن القيامة تحققت فعلاً في حياتنا رُوحياً، ولن تحدث بالنسبة للجسد كثيرُون ينكرُون قيامة الجسد مُؤكدين أن القيامة قد حدثت فعلاً بالإيمان، بل ويلومُون الذين يتطلعُون إلى قيامة الجسد، كما لو كانت القيامة التي وعدنا بها الرّب يسُوع المسيح قد تحققت بعمل الإيمان في الذهن فقط..

"ولكن أساس الله الراسخ قد ثبت، إذ له هذا الختم، يعلم الرّب الذين هُم له، وليتجنب الإثم كُل مَن يُسمى اسم المسيح، ولكن في بيتٍ كبيرٍ، ليس آنيةٌ من ذهبٍ وفضةٍ فقط، بل من خشبٍ وخزفٍ أيضاً، وتلك للكرامة وهذه للهوان، راجع الكتاب المقدُس (16-20)

مهما دخلت الضلالات ومهما انتشرت الشرُور، فإن أساس الله ثابت وكنيسته قائمة، وأولاده معرُوفون ومحفُوظُون، مختُومُون بختم الرُوح القُدس، فيُدعى عليهُم اسم يسُوع، إنهُم آنية ذهبية وفضية في السماء بيت الله يحملُون كرامة، أما التي اختارت لنفسها الهلاك، ولم تحتمل الحقّ فيها ولا قبلت الرُوح القُدس، فهي من الخشب والخزف تحمل هواناً..

أن مَن يتطلع إلى شجرة مثل التين يرى أوراقها كثيرة، وغالباً ما يكُون الثمر مخفياً وراء الورق، هكذا بسهُولة يظهر الهراطقة والأشرار، فيبدُو أنه لا يُوجد بعد مُؤمنين، لكن مَن يقترب إلى الشجرة ببصيرة رُوحية يُدرك وجُود أولاد الله المُقدسين مُختفين في داخل الرّب.. 

"هُؤلاء مُتأسّسُون على الصخرة المسيح نفسه، كقُول الرسُول بُولس: فإنه لا يستطيع أحدٌ أن يضع أساساً آخر غير الذي وضع، الذي هُو يسُوع المسيح، مبنيين على أساس الرسل والأنبياء، ويسُوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كُل البناء مُركباً معاً، ينمو هيكلاً مُقدساً في الرّب.. " راجع الكتاب المُقدس (1كو11:3؛ أف20:2-22)

هذا هُو سرّ قُوة الرُوح القُدس الذي فينا، أننا مُتأسّسُون على المسيح، ولنا ختم رُوحه القدُوس الذي هُو علامة الملكية لله، وعلامة الدخُول تحت حمايته، وعلامة الجندية الرُوحية للرّب يسُوع المسيح.. 

وحتى إن كانت البذار مُختفية في التبن لكنها معرُوفة لدى صاحب الحقل، وإن كان في البيت تُوجد آنية للكرامة وأخرى للهُوان.. 

والله يتمجد في هذه كما في تلك، وحتى لا يظن أحد أنه لا ذنب له فيما يرتكب من شرُور، لأنه إناء هوان، لهذا يعُود الرسُول فيُؤكد حرية الإرادة الإنسانية التي يُقدسها الرّب ويبجلها، قائلاً:
"فإن طهر أحدٌ نفسه من هذه، يكُون إناءً للكرامة مُقدساً نافعاً للسيد، مُستعداً لكُل عملٍ صالحٍ.."

لقد أكد أن الإنسان في كمال حريته أن يتغير من إناء للهوان إلى إناء للكرامة، وإن كان هذا يتحقق لا بإمكانياته البشرية الذاتية إنما بعمل وفيض نعمة الله الغنية، فليس بسبب طبيعة الإنسان ولا عن إلزام يكُون الإناء ذهبياً أو خزفياً، إنما يتحقّق ذلك عن محض اختيارنا، وإلا لما كان للإناء الخزفي أن يصير ذهبياً، ولا أن ينحط الذهبي إلى خزفي..

لقد كان بُولس إناءً خزفياً وصار ذهبياً، وكان يهُوذا ذهبياً وصار خزفياً هكذا يحثنا على الجهاد بتطهير حياتنا الداخلية وتحُويلها من الحالة الخزفية إلى الذهبية، وعما هُو ترابي وأرضي إلى ما هُو سماوي بفضل نعمة الله العاملة فينا، هذا هُو عمل الرُوح القُدس الناري..

إذ يُقدس أعماق النفس في الداخل لتحمل صُورة خالقها، خلال الميلاد الجديد الذي ننعم به في مياه المعمُودية والتجديد المُستمر غير المتقطع، لعلنا نبلغ إلى قياس ملء قامة السيد المسيح السماوي..

    كأن الرسُول يود أن يُعلن لتلميذه تيمُوثاوس، أنه لا نجاح للخدمة بدُون تقديس الحياة الرُوحية للراعي ونمُوها بغير انقطاع، أما الهدف الأول لهذه الحياة المُقدسة الذي يجعل الإناء خزفياً، أي أرضياً فهُو الشهُوات الجسدية لهذا يقُول له: أما الشهُوات الشبابية فاهرب منها، واتبع البرّ والإيمان والمحّبة والسلام مع الذين يدعُون الرّب من قلبٍ نقيّ (22)

اهتم الرسُول بالجانبين السلبي والإيجابي لنمُو حياة الراعي الرُوحية، فمن الجانب السلبي يلتزم بالهرُوب من العثرات، أو الشهوات الشبابية، أما الجانب الإيجابي فهُو الالتزام بإتباع  البرّ والإيمان والمحّبة والسلام..

لا يكفي الهرُوب من الشرّ، إنما يلزم اقتناء المسيح برّنا وسلامنا وإيماننا ويليق بالخادم الحقيقي أن يحذر الشهُوات الشبابية، فلا يظن في نفسه أنه مُحصّن مهما كان ماضيه طاهراً وبلغ من العمر، ولا يحسب حذره ضعفاً بل هُو علامة القُوة والجدية في حياته الرُوحية..

لا يقف تقديس الحياة الداخلية عند الهرُوب من الشهُوات الشبابية، وإتباع البرّ، وإنما برفض الخصُومات المُفسدة لنقاوة النفس، تحت ستار الدفاع عن الحقّ، إذ يقُول الرسُول: والمُباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها، عالماً أنها

 تُولد خُصُوماتٍ، وعبد الرّب لا يجب أن يُخاصم، بل تكُون مُترفقاً بالجميع، صالحاً للتعليم، صبُوراً على المشقات، مُؤدباً بالوداعة المُقاومين عسي أن يُعطيُهم الله تُوبةً لمعرفة الحقّ (23-25)

التزام الراعي أن يفصل كلمة الحقّ باستقامة، وأن يحفظ وديعة الإيمان بلا انحراف، لا يعني دخُوله في مباحثات غبية، وسخيفة تولد خصُومات وتفسد نقاوة قلبه وتنزع سلامه الداخلي، فإن كان الرّب المُعلّم الأعظم العارف بأسرار قلُوبنا، وله حقّ إدانتنا وتوبيخنا قيل عنه: لا يُخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحدٌ في الشوارع صُوته، فكم بالحري يليق بنا أن نكُون ودعاء مع إخوتنا في تعليمهُم إذ نتعرض نحنُ لنفس ضعفاتهُم؟!