(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
خامسًا: تعاليمُه الحَبريّة
بعد نياحة البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر، وفي أوّل لقاءاته العامّة للعام 2023 (الـ4 من يناير/كانون الثّاني)، وصف البابا فرنسيس سَلَفَه بهذه الكلمات المعبِّرة: «كان معلّمًا كبيرًا في التّعليم المسيحيّ. لم يكن تفكيره الثّاقب والدّمث مرجعيّة لذاته، بل كان تفكيره مرجعيّة كنسيّة، لأنّه أراد دائمًا أن يرافقنا إلى اللقاء مع يسوع. يسوع، المصلوب والقائم من بين الأموات، الحيّ والرّبّ، كان هدفًا قادنا إليه البابا بنديكتس، وأخذنا بيدنا إليه. ليساعدنا على أن نكتشف من جديد في المسيح فرح الإيمان ورجاء الحياة» .
لقد شكَّل التّعليمُ المسيحيّ الذي قدّمه البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر كلّ يوم أربعاء لجماعة المؤمنين، في ساحة القدّيس بطرس أو في قاعة البابا بولس السّادس، خُطوةً هامّة في التّنشئة المسيحيّة لآلاف المستمعين المعاصرين. وعلاوةً على الموضوعات والرّسائل الموجَّهة إلى الدّبلوماسيّين، والشّباب، والعائلات، والحركات والجماعات الكنسيّة، وشعب المؤمنين، والكوريا الرّومانيّة، وكيانات أخرى في العالم، قد اتّضحت السّلطةُ التّعليميّة للبابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر بشكل رسميّ، وبنوع خاصّ، في تعاليمه الموجودة في رسائله العامّة: "الله محبّة" (Deus Caritas est) و"بالرَّجاء مخلَّصون" (Spe Salvi) و"المحبّة في الحقّ" (Caritas in Veritate).
وينبغي الأخذ في الاعتبار أيضًا الرّسالة العامّة "نور الإيمان" (Lumen Fidei)، التي أصدرها البابا فرنسيس في بداية حبريّته مؤكِّدًا على دور البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر في كِتابة وصياغة المُسَوَّدَة الأولى لهذه الرّسالة العامّة:
«تعتزم هذه الموضوعات حول الإيمان– في استمرارية مع كل ما نطقت به السلطة الكنسية حول الفضائل اللاهوتية– أن تنضم لما كتبه بيندكتس السادس عشر في الرسالتين العامتين حول المحبة وحول الرجاء. وقد كان قد أوشك على إنهاء المسودة الأولى للرسالة العامة حول الإيمان. وأنا شاكر له بعمق، وفي إخوة المسيح، أتولى عمله الثمين هذا، مضيفا للنص بعض المساهمات الإضافية. فخليفة القديس بطرس، بالأمس، واليوم، وغدا، هو دائما مدعو "لتثبيت الإخوة" في كنز الإيمان الذي لا حد له، والذي أعطاه الله كنور لدرب كل إنسان» (الرّسالة العامّة "نور الإيمان"، بند 7) .
سادسًا: ثلاثيّتُه الكريستولوجيّة
حقّقت ثلاثيّةُ البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر تحت عنوان "يسوع النّاصريّ"، والتي صدر مجلّدُها الأوّل في أبريل/نيسان للعام 2007، والثّاني في مارس/آذار للعام 2011، والثّالث في نوفمبر/تشرين الثّاني للعام 2012، نجاحًا حقيقيًّا للنشر في جميع أنحاء العالم. فمن العام 2007 إلى اليوم، وُزِعت منها أكثر من 7 ملايين نسخة، في 163 دولة؛ وقد بلغ عددُ ترجماتها إلى حوالي 54 لغة. وكما يعتقد كثيرٌ من الدّارسين، تُعدُّ هذه الثّلاثيّة بمثابة "الإِرْث" الذي تركه راتسينغر كإنسان، ومسيحيّ، وعَالِم لاهوت، وأسقف، وكاردينال، وبابا، للكنيسة والبشريّة جمعاء، إذ قد وضع فيها خبرته الإنسانيّة والإيمانيّة والعلميّة والتّعلميّة والقياديّة والرّوحيّة.
تكمن الأطروحة الجوهريّة لهذه الثّلاثيّة برمّتها، والتي تشير بدورها إلى ثقة المؤلِّف التّامّة في ما تقوله الأناجيل عن يسوع، في ما يلي– وفقًا لكلماته عينها: «[...] لقد أردتُ أن أحاول تقديم يسوع الأناجيل كيسوع الحقيقيّ و"كيسوع التّاريخيّ" بما تحمله هذه الكلمة مِن معنى. إنّني مقتنعٌ، وأرجو أن يلاحظ القارئ أيضًا هذا، أنَّ هذه الشّخصيّة هي أكثر منطقيّة، ومِن المنظور التّاريخيّ أيضًا هي أكثر فهمًا مِن محاولات إعادة هَيْكَلَتها التي وجب علينا مواجهتها في العشر سنوات الأخيرة. وأنا أعتقد أنّ يسوع هذا بالتحديد– أعني يسوع الأناجيل– هو شخصيّة معقولة ومُقْنِعة تاريخيًّا» .
سابعًا: أعمالُه الكاملة
بين كِتابات راتسينغر العديدة، يحتلّ كتابه الأوّل "مدخل إلى المسيحيّة"، الذي نَشَره في عام 1968، مكانةً خاصّة، فقد كَتَبَه كأستاذ شاب، ويحتوي على الإرهاصات الأولى لفكره أيضًا؛ وهو بدوره عبارة عن تجميع لمحاضراته الجامعيّة حول قانون الإيمان الرّسوليّ. وفي العام 1973، نَشَر مجلّدًا بعنوان "العقيدة والوعظ"، وهو يجمع مقالاته وتأمّلاته ومواعظه المكرَّسة للحياة الرّعويّة. وفي العام 1977، بمناسبة عيد ميلاده الخمسين والعام الأوّل لخدمته كرئيس أساقفة "ميونيخ وفريسينج"، نَشَر سِيرةً ذاتيّة تحت عنوان "حياتي". وبمناسبة عيد ميلاده السّبعين، نُشِر كتاب "في مدرسة الحقيقة"، حيث أظهر بعضُ المؤلِّفين أبعادًا متنوّعة حول شخصيّته وفكره.
وكانت كِتابات البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر، على مدار أعوام كثيرة، متعدّدة ومتنوّعة، وما زالت حتّى الآن بمثابة مراجع لاهوتيّة لإشخاص عدّة من جميع أنحاء العالم. ومن ضمن حواراته الشّخصيّة، نذكر ما يلي: في العام 1985، نُشِر له كتاب-حوار بعنوان "تقرير حول الإيمان"، وفي العام 1996 آخر بعنوان "ملح الأرض"، وفي العام 2005 آخر بعنوان "الله والعالم"، وفي العام 2010 آخر بعنوان "نور العالم"، وفي العام 2016 آخر بعنوان "الحوارات الأخيرة".
وفي المجمل، نُشِرت كِتابات البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر كلّها في 16 مجلّدًا: 1) شعب وبيت الله في إكليزيولوجيا القدّيس أَوْغسطينُس؛ 2) فهم الوحي ولاهوت التّاريخ عند القدّيس بونافنتورا؛ 3) إله الإيمان وإله الفلاسفة؛ 4) مدخل إلى المسيحيّة؛ 5) أصل ومصير الإنسان؛ 6) يسوع النّاصريّ؛ 7) لاهوت المجمع؛ 8 ) علامة بين الشّعوب؛ 9) الوحي - الكتاب المقدّس - التّقليد؛ 10) القيامة والحياة الأبديّة؛ 11) لاهوت اللّيتورجيا؛ 12) مبشرو الكلمة وخُدّام فرحكم؛ 13) في حوار مع عصره؛ 14) عظات وخُطَب للسنة اللّيتورجيّة؛ 15) حياتي؛ 16) بيبليوغرافيا وفهارس.
[يُتبَع]
[مقالةٌ نُشِرت في مجلّة "نور على الطريق" (التابعة لمعهد التربيّة الدينيّة بالسكاكيني)، في عددها الأوّل للعام 2024 (رقم 145/ 750)، ص. 1-23].





