الراهب القمص يسطس الأورشليمي
بعد أن أبرز بولس الرسول إلى أهل كُورنثُوس كُل محبةٍ وحنو،ٍ مُؤكداً أنه ينفق كُل ما لديه وينُفق هو نفسه من أجلهم، أعلن عن سلطانه الرسولي الذي لن يستخدمه إلا لبنيانهم ولمجد الله، الآن في الختام يُهدد المصممين على المقاومة وعدم التُوبة، مع صلواته من أجل الكنيسة، وتقديم البركة الرسُولية للجميع، ويتضمن الإصحاح الثالث عشر:كور2على النقاط الآتية وهي:
(1) تهديده للأشـــرار.. (2) صلاة من أجــلهم..
(3) وداع وبــــركة..
إذ بعث الرسُول بُولس إليهم رسالتين، حسبهما شاهدين على مَن يصرّ على شره ومقاومته للحقّ الإنجيلي، وإفساد كنيسة السيد المسيح..
مَن هم الشاهدان أو الثلاثة شهُود؟ هما زيارتان قام بهما إلى كورنثوس الزيارة الأولى قام بها عام 52 م، لتأسيس الكنيسة، وبقى فيها سنة ونصف والزيارة الثانية جاء إليها عام 55 م، حيث قضى هناك مدة قصيرة، وأخيراً الزيارة الثالثة وقد تم ذلك عام 57 م، (أع1:18؛ 1كو7:16)..
هذه المرة الثالثة آتي إليكم، على فم شاهدين وثلاثةٍ تقوم كل كلمةٍ، قد سبقت فقلت، وأسبق فأقول كما وأنا حاضر المرة الثانية، وأنا غائب الآن أكتب للذين أخطأوا من قبل، ولجميع الباقين: أني إذا جئت أيضاً لا أشفق..
وهنا يُشير إلى الزيارة الثانية القصيرة التي لم ترد في سفر الأعمال، ما يقوله هو: لقد تحدثت مرة ومرة أخرى حين كنت معكم، والآن أتحدث معكم بالرسالة، فإن سمعتم لي بالحقيقة سأفعله، أما إن عصيتم فبالضرورة أتوقف عن الكلام لكي أصب عقاباً، وإذ سمع الكثيرون تهديداته بأنه متى جاء ولم يجد الأمُور قد تغيرت فسيطردهم..
إذ أنتم تطلبُون برهان المسيح المُتكلّم فيّ، الذي ليس ضعيفاً لكم بل قويّ فيكم، لأنه وإن كان قد صُلب من ضعفٍ، لكنه حيّ بقوة الله، فنحن أيضاً ضعفاء فيه، لكننا سنحيا معه بقوة الله من جهتكم..
إن كان يطلبُون برهاناً على سلطانه الرسُولي في المسيح يسُوع، فإن البرهان هُو تحولهم هُم أنفسهم إلى الإيمان بالسيد المسيح، وهذا التحول دليل قوي على أن المسيح هو المتحدث بواسطته، وقد عملت قوته فيهم، ومن حق الرسول أن يؤدب المعلمين الكذبة، تطلّع يا الله حامينا، وأنظر إلى وجه مسيحك (مز10:84)، وإذ يصلي الإنسان بغيرة يتطلع الآب إلى وجه الابن الساكن في داخله، والرّب يسُوع قال: مَن يقبلكم يقبلني، ومَن يقبلني يقبل الذي أرسلني، راجع الكتاب (مت40:10)..
فهو لا يُعاقب لمجرد أبراز أنه صاحب سلطان، بل صبره معهم ليس نابعاً عن ضعف، إنما عن حب وطول أناة، لقد صار يوماً إناءً مختاراً (أع15:9)، وأظهر المسيح حياً في حياته، وقدم برهان المسيح المتكلم فيه، والشخص الذي يسكن فيه الله، هو كرسي يجلس عليه، مثل هذا الشخص لا يعيش لنفسه بعد ذلك، بل يعيش المسيح فيه، ويعطي برهاناً أنه يتكلم من خلاله، راجع (2كو3:13)، فالمسيح نفسه ينطق في قديسيه، ألم يشهد الشهداء للسيد المسيح ؟ ألم يحملوا شهادة للحقّ ؟!
إن كان قد أتهم بالضعف وأنه بلا سلطان، فالمسيح المُتحدث فيه هو أيضاً أتهم بذلك، لقد صُلب وبصلبه ظهر كضعيفٍ، لكنه سلم حياته للموت بإرادته، ففي قدرته أن يرسل أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة لمساندته ضد الجماهير الثائرة التي قادها الكهنة ضده، لكن كيف كان يتم المكتُوب؟! بمُوته أظهر القوة الإلهية، قُوة الدم والخلاص وعمل النعمة التي جذبت العالم إليه، وتحول الكثيرُون إلى الإيمان به..
نحنُ ضعفاء فيه؟ أي نحن نُضطهد، ونُسحب هنا وهناك ونحتمل إلى أقصى التطرفات، كُل ذلك من أجل الكرازة والإيمان به، وإن كان من أجله نحتمل ما هو محزن ومقلق ومرهق، فواضح تماماً أننا سننال أيضاً ما هو مفرح، لهذا يضيف: لكننا سنحيا معه بقُوة الله..
جربوا أنفسكم، هل أنتم في الإيمان؟ امتحنوا أنفسكم، أم لستم تعرفون أنفسكم، أن يسُوع المسيح هو فيكم، إن لم تكُونُوا مرفوضين؟ لكنني أرجو أنكم ستعرفُون أننا نحنُ لسنا مرفوضين..
لكي يؤكد سلطانه في المسيح يسُوع يسألهم ألا يطلبوا برهاناً خارجاً عنهم، بل يمتحنوا أنفسهم كيف عمل المسيح فيهم خلال كرازته ورعايته لهم وكيف سكن فيهم، فيليق بهم أن يفحصوا ذواتهم هل هم بالحقّ في المسيح؟! هل يسكن المسيح فيكم، فتحملون روحه وقوته وفكره، وتتمتعون بالبنوة لله أم أنكم مزيفُون، ومرفوضُون من الله، تطلعوا إلى أنفسكم فستجدُون أن المسيح هو فيكم، فكم بالأكثر في معلمكم؟! نصلي من أجل هذا أن تعيشوا دائماً في الفضيلة، وفي تصليحٍ لأموركم..
بعد أن قدم الرسول سكنى المسيح فيهم، كترمومتر يقيسون به أنفسهم وكدليل قويٍ على أصالتهم في الإيمان وعدم تزيفهم، أكد لهم أن ما يتمتعوا به، إنما يتمتع به هو وزملاؤه في الخدمة، وكأنه يقول لهم: إن فحصتم أنفسكم فوجدتم أنكم عُملة الله غير المزيفة، فأنتم لستم مرفوضين، وبالتالي يليق بكم أن تدركوا أننا نحن الذين كرزنا بإنجيل الحق لسنا مرفوضين..
وأصلي إلى الله أنكم لا تعملون شيئاً ردياً، ليس لكي نظهر نحن مُزكين، بل لكي تصنعوا أنتم حسناً، ونكون نحن كأننا مرفُوضُون، لأننا لا نستطيع شيئاً ضد الحقّ، بل لأجل الحقّ، لأننا نفرح حينما نكُون نحنُ ضعفاء وأنتم أقوياء، وهذا أيضاً نطلبه كما لكم..
لا يستطيع خدام المسيح أن يقدموا تعاليم باطلة ضد الحقّ الإنجيلي، إنما ما يستطيعوا أن يفعلوه هُو تقديم الحقّ وتثبيته، الحقّ هُو: المسيح نفسه والشهادة له هي جذب النفُوس إلى شخصه، فالرسول يُؤكد أنه إذ يعطي حباً وحنواً ولطفاً، أو يمسك بالعصا ويؤدب..
لا يشغله أمر سوى إنجيل المسيح، ما يفرح قلب الرسُول بُولس أن يظهر كضعيفٍ ولا يمسك بعصا التأديب، ماداموا هم أقوياء ببرّ المسيح، وما يسره كأبٍ أن يجد أولاده أقوياء في المواهب الروحية، ويسلكون طريق الكمال، مسرته أن يكون هو ومن معه ضعفاء أي يحتملون اضطهادات، وضيقات، وعذابات وآلاماً مرة، وأن يكُونُوا هُم أقوياء وكاملين في الحياة المُقدسة، والأعمال الصالحة..
لذلك أكتب بهذا وأنا غائب، لكي لا أستعمل جزماً وأنا حاضر، حسب السلطان الذي أعطاني إياه الرب للبنيان لا للهدم، أخيراً أيها الإخوة افرحوا، اكملوا، تعزوا، اهتموا اهتماماً واحداً، عيشوا بالسلام، وإله المحبة والسلام سيكون معكم، سلموا بعضكم على بعضٍ بقبلةٍ مُقدسةٍ، يُسلّم عليكم جميع القديسين، نعمة ربنا يسُوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الرُوح القُدس مع جميعكم. آمين، راجع الكتاب (10-14)..
كما أفتتح الرسالة بالتشجيع واللطف والحنو، هكذا يختم الرسالة بوصايا مفرحة مع إبراز محبته وتقديم البركة الرسولية للكل، فيقول:
أخيراً، كل ما تبقى له أن يختم رسالته مشتاقاً أن يتمتع الكل بالسعادة..
افرحُوا، أي الفرح الشديد مع السعادة، فهو يطلب بهجتهم وتهليل قلوبهم.
اكملُوا، أي ارتبطوا معاً برباط الحب والانسجام لبنيان الكنيسة وكمالها..
تعزوا، وإذ يقبلوا نصيحته يمتلئون راحة داخلية مهما كانت الضيقات..
اهتموا اهتماماً واحداً، أي ليكن لكم الفكر الواحد ولا تسمحوا بالانقسام.
عيشوا بالسلام، أي كرسوا حياتكم لأجل سلام الكل..
وإله المحبة والسلام سيكُون معكم، الله هو إله المحبة والسلام، ومصدر الحب والوحدة، أحبنا ويشتهي أن نتمتع بالسلام معه ومع أنفسنا وأخوتنا..
إنه مع السالكين بالحب والسلام يسكن في وسطهم ويحل فيهم، يحب مَن يحبون السلام، يثبت فيهم وهم فيه، فيتمتعوا بنعمة الحضرة الإلهية..
الفرح الذي يُشار هنا سيحل عندما يصلح الكورنثيون طرقهم، حيث يمكنهم بعد ذلك بلوغ النضُوج في الإيمان، أما قبل هذا فتوجد تعزية تسندهم على هجر الملذات الحاضرة من أجل الرجاء في الأمور الآتية، سلام المسيح الذي يحررهم من الخطايا، لذا يُسر الله به..
سلمُوا بعضكم على بعض بقُبلة مُقدسة، فلا تحمل خداعاً ولا فساداً، ما هي القبلة المقدسة؟ إنها تلك التي بلا رياء كقبلة يهوذا، تعطي القبلة لتثير الحب، وتغرس في نفوسنا الاتجاه السليم نحو بعضنا البعض، لأن نفوسنا تُسرع لترتبط معاً، ونحن هيكل الله، فنقبل ممر الهيكل ومدخله والساكن فيه.
يُسلّم عليكم جميع القديسين، يقصد بالقديسين هنا المُؤمنين بمكدونية وفيلبي، حيثُ كتب الرسُول بُولس الرسالة هُناك..
نعمة رّبنا يسُوع المسيح، ومحّبة الله، وشركة الرُوح القُدس..
الله الثالوث القدُوس، هُو مصدر كُل نعمةٍ وحبٍ وشركةٍ، فيبدأ الرسُول بنعمة المسيح واهبة الخلاص، ثم محبة الآب الذي بذل ابنه على الصليب من أجلنا، وشركة الرُوح القُدس واهب الوحدة، وهُو يبدأ بالسيد المسيح ليؤكد التساوي بين الأقانيم الثلاثة، إذ تُوجد نعمة واحدة، وسلام وحُب واحد وشركة واحدة من جانب الآب، والابن، والرُوح القُدس..
يختم في النهاية رسالته بصلاة، وهُو يحرص أن يتحدوا جميعاً مع الله الثالوث القدُوس، واهب النعمة، والمحّبة، والشركة، والوحدة..





