الجنرال أركان متقاعد جوزيف عبيد

لم يكن الطريق الذي خرج فيه يوسف مخلوف من بقاعكفرا سنة 1851 طريقًا إلى دير فحسب، ولم يكن يعرف يومها أن الخطوات التي يخطوها بعيدًا عن بيته ستقوده، بعد سنوات، إلى أن يصبح أحد أكثر قديسي لبنان حضورًا في ذاكرة الناس.
 
خرج من بقاعكفرا شابًا يحمل في قلبه قرارًا لم يكن سهلًا على من يترك أهله وأرضه وذكريات طفولته. ترك البيت، ومشى نحو المجهول. لم يكن يعرف أنه لا يغادر مكانًا فحسب، بل كان يغادر حياةً ليبدأ حياة أخرى.
 
ومن هنا يبدأ درب القداسة.
 
إن محاولة تحديد الطريق الذي سلكه يوسف مخلوف في تلك الرحلة ليست مسألة جغرافية فقط. فالطريق الذي تسلكه الأقدام يمكن أن تندثر معالمه، وتتغير القرى، وتُفتح طرق جديدة، لكن بعض الطرق تبقى محفوظة في الذاكرة والرواية والتاريخ.
 
والثابت أنه غادر بقاعكفرا متجهًا إلى دير سيدة ميفوق، حيث بدأ مرحلة الابتداء الرهباني. وتروي الروايات المرتبطة بميفوق مروره في إيليج وتوقفه للصلاة أمام سيدة إيليج، قبل أن يصل إلى الدير.
 
ومن ميفوق بدأت مرحلة أخرى.
 
لم يكن يوسف مخلوف قد صار بعدُ الأب شربل الذي ستعرفه الأجيال. كان لا يزال في بداية الطريق، يتعلم الصمت والطاعة والصلاة، ويكتشف شيئًا فشيئًا أن القداسة ليست لحظة واحدة، بل طريق طويل من التخلّي.
ثم جاء عنايا.
 
في دير مار مارون، أخذ يوسف اسمه الرهباني: شربل. ومن هناك أخذت الرحلة وجهًا جديدًا؛ من الشاب الذي غادر بقاعكفرا إلى الراهب الذي اختار العزلة، ثم إلى الكاهن، وصولًا إلى المحبسة.
 
وهنا يصبح الطريق أكثر من مسافة بين بلدتين.
 
بقاعكفرا كانت نقطة الانطلاق.
 
ميفوق كانت عتبة الرهبنة.
 
عنايا كانت مدرسة القداسة.
 
والمحبسة كانت قمّة العزلة.
 
وبين هذه الأمكنة لم يكن شربل ينتقل في الجغرافيا وحدها، بل كان يبتعد، خطوة بعد خطوة، عن كل ما يربط الإنسان بالأرض، ليقترب أكثر من السماء.
ولهذا سنحاول في هذا الفصل أن نعيد رسم درب القداسة كما أمكن أن يكون عليه في زمن يوسف مخلوف، لا كما تبدو الطرق اليوم.
 
سنميز بين ما تثبته الوثائق، وما تحفظه الروايات، وما تسمح به جغرافية المنطقة من ترجيح، حتى لا نحول الاحتمال إلى حقيقة.
 
فالغاية ليست أن نقول فقط: من أين مرّ مار شربل؟
 
بل أن نسأل:
ماذا كان يرى يوسف مخلوف وهو يمشي في ذلك الطريق؟
 
ماذا ترك خلفه؟
 
وماذا كان ينتظره في آخر الدرب؟
 
فمن بقاعكفرا خرج يوسف.
 
وفي عنايا صار شربل.
 
أما في المحبسة، فقد بدأ اسمه يتحول من اسم راهب إلى حكاية قداسة.
 
وهكذا، لم يكن الطريق إلى المحبسة طريقًا قطعه شربل؛ كان الطريق هو الذي صنع شربل...