(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
يمكن فَهْمُ قضيّة الله-الثالوث انطلاقًا من جوهر الحبّ وحده؛ فالثالوث ذاته ليس إلّا محبّة. وعلى هذا النحو، إنّ الله في المفهوم المسيحيّ أحدٌ-واحد-محبّة، أي ثالوث.
فالمحبّةُ ملخّصٌ مفعم بالمعاني لسرّ ثالوث الله الواحد، والثالوث شرحٌ موجز للمحبّة الإلهيّة.
واعتمادًا على الوصف الكتابيّ لله بأنّه "محبّة" (1 يوحنّا 4: 4-8، 16)، يتبيّن لنا جليًّا أنّ الثالوث القدوس عينه –داخليًّا وخارجيًّا– ليس سوى محبّة؛ والمحبّةُ هي وَحدةٌ وتمايز وشراكة ومشاركة وتبادل وتضامن. «فكيان الله ذاته محبّة.
وعندما يرسل الله، بحلول ملءِ الأزمنة، ابنَه الوحيد وروحَ محبّته يكشف عن أخصّ سرّ له: إنّه هو نفسُه أبدًا تبادل محبّة: آبٌ وابنٌ وروحٌ قُدس، وقد قدّر لنا أن نكون شركاءَ فيه» (ت. م، بند 221).
ومن ثمّ، ليست قضيّةُ الله الأحد-الواحد-الثالوث، هي مجرّد مسألةٍ إعلانيّة (إعلان الوحي الإلهيّ) وكنسيّة وعقيديّة فحسب؛ وإنّما هي أمرٌ اختباريّ ووجوديّ وإسكاتولوجيّ (آخرويّ). فثالوثُ الله الواحد هو "وطننا" أو "موطننا" الحقيقيّ، الذي نسعى إليه برجاءٍ من خلال حياتنا الإيمانيّة السرائريّة (أي الأسرار المقدِّسة) والعمليّة (أي المحبّة الأخويّة). وبهذا المعنى، يمكن لكلّ مسيحيّ أن يردّد مع القدّيس غريغوريوس النازيانزيّ هذه الصلاة المعبّرة:
«إلى أين ستؤول في النهاية حياتي، التي تتكشّف وسط تقلباتٍ جمّة؟ أخبرني، يا لوغُس الله. إنّي لأرجو أن تنتهي في تلك الإقامة الراسخة حيث يحلّ ثالوثي، وحيث يتلألأ ذاك البهاءُ الواحد الذي تجذبنا نحوه ظلالٌ واهنةٌ له، لا نكاد ندركها» (القصيدة الثانية، 1، 2).





