الأب داني قريو السالزياني
كيف تعيد وسائل التواصل تشكيل أدمغتنا وحياتنا؟
هناك شيء مخيف في وسائل التواصل الاجتماعي لا يتعلق فقط بالمحتوى الذي نراه، بل بالطريقة التي تبدأ بها شيئًا فشيئًا في إعادة تشكيل الطريقة التي ننتبه بها، ونقارن بها أنفسنا، ونبحث بها عن اللذة، ونختبر بها الوحدة والانتماء.
واللافت لإنتباه أن كثير من الاخصائيين النفسيين وأيضاً المتخصصين في علم الأعصاب يتحدثون عن هذا خطر وسائل التواصل، وأنا شخصيًا أخاف من الفيديوهات القصيرة، وأعترف بأني ليس محصّنًا كفاية ضد تأثيرها، رغم ادراكي لمخاطرها.
وهذه الفكرة بحد ذاتها تستحق التوقف: إذا كان الإنسان المتخصص في آليات التأثير النفسي ليس بمنأى عنها، فالأمر لا يتعلق فقط بضعف الإرادة، بل بآليات مصممة بطريقة تجعل الانجذاب إليها سهلًا جدًا.
المشكلة إذًا ليست في فيديو واحد أو تطبيق واحد، بل في المسارات التي تتكرر داخل الدماغ حتى تصبح مألوفة.
1.مسارات عصبية جديدة
حين يتعلم الدماغ السرعة
الفيديوهات القصيرة تقوم على مبدأ بسيط: جرعة صغيرة من المحتوى، ثم أخرى، ثم أخرى، من دون أن نعرف تمامًا ماذا سيأتي بعد ذلك.
وهنا يدخل الدوبامين في الصورة. ومن المهم تصحيح فكرة شائعة: الدوبامين ليس مجرد «هرمون للسعادة»، وليس دقيقًا أن نقول إن وسائل التواصل «تحرق مستقبلات الدوبامين». الدوبامين يرتبط بالتعلّم، والدافعية، وتوقّع المكافأة، والانتباه إلى الأشياء التي قد تحمل لنا شيئًا ممتعًا أو مهمًا.
عندما يتعرض الدماغ بصورة متكررة لمكافآت سريعة ومتنوعة وغير متوقعة، يبدأ في تعلّم نمط معين:
شاهد توقّع احصل على مكافأة انتقل إلى التالي.
وهكذا لا يصبح السؤال: «هل هذا الفيديو مهم؟» بل: «ماذا يوجد بعده؟»!!!
وهنا تتغير علاقتنا «بالانتباه». فالدماغ يتعلم أن ينتقل بسرعة من مثير إلى آخر، بينما الأشياء العميقة في الحياة لا تعمل بهذه الطريقة! فإن قراءة كتاب، أو تعلّم شيء جديد، أزو بناء علاقة، أو الصلاة، أو التأمل، وحتى فهم الذات، كلها تحتاج إلى البقاء مع الشيء نفسه مدة أطول.
لذلك ليست المشكلة أن الدماغ «تلف، متعفن»، بل أن الدماغ يتعلم ما نكرره. وما نمارسه باستمرار يصبح أكثر سهولة وتلقائية
البحث عن اللذة قد يخفي بحثًا آخر
لكن ربما توجد طبقة أعمق من موضوع الدوبامين.
لماذا نريد أن نرى الفيديو التالي؟ لماذا نشعر بالضيق عندما لا يحدث شيء على الشاشة؟ لماذا نفتح الهاتف أحيانًا من دون أن نكون قد قررنا فعل ذلك أصلًا؟
أحيانًا لا نبحث عن محتوى، بل نبحث عن إحساس!
نحن لا نحتمل الفراغ.... فنملؤه.
لا نحتمل الصمت.... فنكسره.
لا نحتمل الانتظار.... فنمرر الشاشة.
لا نحتمل أن نبقى وحدنا مع أفكارنا.... فنبحث عن شيء يشتت انتباهنا.
وهنا يصبح البحث المستمر عن اللذة السريعة أحيانًا طريقة للهروب من شعور أعمق: الوحدة.
ليس معنى ذلك أن كل شخص يستخدم وسائل التواصل يهرب من الوحدة، ولا أن الدوبامين هو سبب الوحدة. لكن يمكن أن تتشكل دائرة نفسية خطرة: أشعر بالفراغ أبحث عن إثارة أحصل على جرعة قصيرة من المتعة تنتهي سريعًا يعود الفراغ أبحث عن إثارة جديدة.
فتصبح اللذة وسيلة لتسكين الشعور فقط، لا حلًا له أبداً.
والإنسان قد يكتشف بعد ساعات من التصفح أنه كان محاطًا بآلاف الوجوه، وشاهد مئات الأشخاص، وتلقى عشرات الإشعارات، ومع ذلك يشعر بأنه لم يلتقِ أحدًا حقًا.
2.المقارنة
لماذا تؤلمنا المقارنة؟
من أخطر ما تفعله وسائل التواصل أنها تجعل المقارنة متاحة في كل لحظة. قبل عصر الشاشة، كان مجال المقارنة محدودًا نسبيًا. كنت تقارن نفسك بأشخاص في محيطك: زملائك، أصدقائك، أفراد عائلتك، وربما بعض الشخصيات التي تراها في الإعلام. أما اليوم، فيمكن للإنسان أن يستيقظ صباحًا ويبدأ خلال دقائق بمقارنة نفسه بعشرات أو مئات الأشخاص من بلدك أو من الكوكب بكامله.
لكن المشكلة النفسية ليست في المقارنة وحدها، بل في عدم عدالة المقارنة.
أنا أعيش حياتي من الداخل: أرى ضعفي، أخطائي، مخاوفي، الأيام التي فشلت فيها، اللحظات التي أشعر فيها بالتعب وعدم الثقة.
أما الآخر فأراه غالبًا من الخارج: صورته الأفضل، نجاحه، سفره، علاقته، ابتسامته، إنجازاته، جسده، أصدقاؤه، احتفالاته. وهكذا أقارن حياتي الكاملة بـ الواجهة المنتقاة من حياة الآخرين.
وهذه المقارنة لا تقول للإنسان فقط: «الآخر لديه شيء لا أملكه». بل قد تصل إلى رسالة أعمق:
«هناك شيء ناقص فيَّ أنا.» وهنا تنتقل المقارنة من تقييم شيء «أفعله» إلى تقييم من «أكون».
إذا رأيت شخصًا أكثر نجاحًا مني، يمكن أن أقول: «هو نجح في هذا المجال أكثر مني».
لكن إذا أصبحت المقارنة جزءًا من هويتي، قد تتحول الجملة إلى:
«هو أفضل مني.»
«أنا أقل قيمة.»
«حياتي ليست جميلة بما يكفي.»
«أنا متأخر.»
«الجميع يعيش أفضل مني.»
وهنا لا تعود المقارنة مجرد معلومة، بل تصبح تهديدًا لصورة الإنسان عن نفسه.
لماذا نحتاج إلى أن نكون أفضل من الآخرين؟
نفسيًا، الإنسان يحتاج إلى الشعور بالقيمة والانتماء. ولذلك فإن نظرة الآخرين إلينا يمكن أن تصبح مرآة نقيس من خلالها أنفسنا.
عندما تصبح هذه المرآة خارجية بالكامل، يبدأ الإنسان في البحث عن مؤشرات تقول له:
أنا مرغوب.
أنا ناجح.
أنا جميل.
أنا مهم.
أنا محبوب.
أنا لست أقل من الآخرين.
وتصبح الإعجابات والتعليقات والمشاهدات نوعًا من التغذية النفسية السريعة. لكن المشكلة أن هذا النوع من التقدير لا يشبع الحاجة إلى القيمة بصورة نهائية؛ لأنه يحتاج إلى التجديد باستمرار.
ولهذا قد يتحول الأمر إلى دائرة: أنشر أنتظر أحصل على التفاعل أشعر بالرضا يختفي الشعور أحتاج إلى تفاعل جديد. وهنا نعود مرة أخرى إلى منطق المكافأة السريعة.
لكن ما يبحث عنه الإنسان في العمق ليس رقمًا جديدًا، بل الشعور بأنه ذو قيمة وأنه ينتمي إلى أحد.
3.الوحدة
من الوحدة إلى «القبيلة الرقمية»
وهنا تظهر وظيفة أخرى لوسائل التواصل. الإنسان كائن اجتماعي. يحتاج إلى جماعة يشعر داخلها بأنه مفهوم ومقبول. لكن الخوارزميات تستطيع أن تجمع حول الإنسان أشخاصًا يشاركونه أفكاره ومواقفه واهتماماته بطريقة لم تكن متاحة بهذا الحجم من قبل. وهذا يمكن أن يكون مفيدًا أحيانًا، لكنه يحمل خطرًا آخر: أن تتحول الجماعة إلى قبيلة رقمية مغلقة.
إذا كنت تؤمن بفكرة معينة، يمكن أن تستمر الخوارزمية في عرض أشخاص يؤمنون بالفكرة نفسها. ومع الوقت، لا تعود تشعر بأنك جزء من مجموعة صغيرة، بل قد تبدأ في الاعتقاد بأن «الجميع يفكر هكذا».
وهنا يعمل ما يسمى انحياز التأكيد: الإنسان يميل إلى الانتباه إلى المعلومات التي تؤكد ما يؤمن به، وإهمال أو رفض ما يتعارض معه. فتصبح وسائل التواصل أقل شبهًا بنافذة على العالم، وأكثر شبهًا بمرآة تعيد إلينا أفكارنا.
وهكذا يمكن أن يحدث شيء غريب: نحن نستخدم التكنولوجيا حتى لا نشعر بالوحدة، لكنها قد تحبسنا داخل جماعات تؤكد لنا أننا على حق، وتبعدنا عن أشخاص مختلفين عنا. فنحصل على إحساس بالانتماء، لكن ليس بالضرورة على علاقة حقيقية.
عندما يصبح الآخر رقمًا
هناك ظاهرة نفسية معروفة باسم تأثير المتفرج. عندما يكون شخص ما في حاجة إلى المساعدة، قد تقل احتمالية تدخل الفرد عندما يكون هناك عدد كبير من الموجودين، لأن المسؤولية تتوزع بينهم: «لا بد أن شخصًا آخر سيتصرف».
ومن أشهر الأمثلة التي دُرست تاريخيًا قضية Kitty Genovese كيتي جينوفيز في نيويورك في ستينيات القرن الماضي.
وهي أن كيتي جينوفيزي وهي إمراة تبلغ من العمر 29 عاماً، طُعنت حتى الموت خارج شقتها في حي كيو جاردنز، في بلدة كوينز في نيويورك، في 13 مارس، 1964.
نقل تقرير الجريمة في صحفية نيويورك تايمز إحساس عدم المبالاة من الجيران الذين لم يقدموا المساعدة لكيتي؛ ربما وجد ثمانية وثلاثون أو سبعة وثلاثون من الشهود أو رأى الحادثة أو سمع الهجوم ولم يستدعِ الشرطة. وأثار هذا الحادث أبحاث أصبحت تعرف باسم تأثير المتفرج أو «متلازمة جينو فيزة».
مبدأ تأثير المتفرج أو انتشار المسؤولية، وهو مبدأ نفسي دُرس في تجارب كثيرة. وفي العالم الرقمي يمكن أن يأخذ شكلًا جديدًا.
نرى شخصًا يتعرض للتنمر، فنقول: «سيبلّغ أحدهم».
نرى شخصًا يطلب المساعدة، فنفترض أن غيرنا سيتدخل.
نرى معاناة حقيقية، ثم ننتقل إلى الفيديو التالي.
المشكلة هنا ليست أن وسائل التواصل تجعل الإنسان «مريضًا نفسيًا» أو عديم الرحمة، فهذا تعميم غير دقيق.
لكن كثرة الأشخاص خلف الشاشة قد تجعل الآخر يتحول من إنسان أمامي إلى حساب، أو صورة، أو رقم، أو محتوى. وعندما يفقد الآخر حضوره الإنساني، تصبح الاستجابة لمعاناته أصعب.
أخطر ما يمكن أن يحدث
ربما ليست المشكلة الكبرى في الفيديوهات القصيرة أنها تسرق بعض الوقت. المشكلة الأعمق أن الإنسان قد يتعلم تدريجيًا ألا يبقى طويلًا مع أي شيء. لا مع كتاب. لا مع فكرة. لا مع صمت. لا مع صلاة. لا مع محادثة عميقة. ولا حتى مع نفسه.
كلما ظهر الملل... نبحث عن الشاشة.
كلما ظهر القلق... نبحث عن الشاشة.
كلما ظهر الفراغ... نبحث عن الشاشة.
وهكذا لا تعود الشاشة مجرد وسيلة ترفيه، بل تصبح طريقة لتنظيم مشاعرنا والهروب من خبراتنا الداخلية.
وهنا تلتقي مسألة الانتباه مع مسألة الوحدة. فالإنسان الذي لا يستطيع أن يبقى وحده مع نفسه قد يبحث دائمًا عن الإثارة. والإنسان الذي لا يستطيع تحمل الصمت قد يحتاج دائمًا إلى ضجيج. والإنسان الذي لا يعرف كيف يبني علاقة عميقة قد يكتفي بعشرات العلاقات السطحية. فيبدو من الخارج أنه متصل بالجميع، بينما قد يكون من الداخل أبعد ما يكون عن نفسه وعن الآخرين.
4.الإنتباه
غسل الدماغ الذي لا نشعر به
غسيل الدماغ، بالمعنى المبسط، لا يحتاج دائمًا إلى شخص يقف أمامك ويقول لك ماذا تفكر. أحيانًا يكفي أن يتكرر أمامك الشيء نفسه حتى يبدأ عقلك في اعتباره طبيعيًا. المشكلة إذًا ليست فقط في الرسالة التي تصل إلينا، بل في الطريقة التي يتم بها اختيار الرسالة التالية.
ماذا سيجذب انتباهك؟
ما الذي سيجعلك تبقى؟
ما الذي سيجعلك تقارن؟
ما الذي سيجعلك تغضب؟
ما الذي سيجعلك تعود غدًا؟
حين تصبح هذه الأسئلة جزءًا من تصميم المنصة، فإن المعركة لا تعود فقط على مستوى المحتوى، بل على مستوى الانتباه نفسه. والانتباه هو أحد أثمن الأشياء التي نملكها؛ لأن ما ننتبه إليه باستمرار يبدأ، مع الوقت، في تشكيل عالمنا الداخلي. لهذا ربما يكون السؤال الأعمق في عصر وسائل التواصل ليس: «كم ساعة أقضي على الهاتف؟» بل: «مَن الذي يختار ما الذي يستحق انتباهي؟ أنا، أم الخوارزمية؟»
فما نكرره اليوم قد يصبح غدًا مسارًا مألوفًا في دماغنا، وما نسمح له بأن يحتل انتباهنا باستمرار قد يبدأ في تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا، وإلى الآخرين، وإلى العالم.
وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما تفعله وسائل التواصل أنها تجعلنا نرى العالم أكثر، بل أنها قد تجعلنا نرى العالم بالطريقة التي تعلّمت الخوارزمية أن تجعلنا نراه بها.
«ولا تتشكّلوا بحسب هذا الدهر، بل تغيّروا بتجديد أذهانكم، لتميّزوا ما هي مشيئة الله، ما هو صالح ومرضٍ وكامل.» (رو 12، 2)





