أحمد الخميسي
أقيم أول معرض للكتاب في القاهرة عام 1969 ، وبذلك يكون قد مر على إقامة ذلك الصرح الثقافي الكبير أكثر من نصف قرن، كان المعرض خلاله دائما حدثا مدويا يجمع شتات المثقفين والأدباء وأيضا القراء، بل والقراء في المقام الأول.
 
والمعرض حدث مفرح بالنسبة لي، إذ تتجدد خلاله آمالي في ثقافة تبدد الظلمات والجهل والتعصب. ولاشك أن هناك ملاحظات قليلة أو كثيرة على اختيار ضيوف المعرض، والقائمين على تسيير أموره، لكن ذلك لا ينتقص من أهمية الحدث وضرورة الاحتفاء به سنويا. وقد كان أملي دائما ومازال أن يحمل المعرض أنواره إلى أطراف
 
مدن الصعيد وقراه الخاملة، وإلى الأرياف، والمحافظات البعيدة. هذا لكي يتصل المعرض مباشرة بمستحقيه، ولكي ينهض بدوره الرئيسي في مواجهة الفكر المتخلف واستئصال جذوره التي تترعرع وتنمو في الإرهاب والطائفية والعدمية.
 
ذلك أن أرض المعركة الثقافية الحقيقية تقع بعيدا عن القاهرة حيث الناس في أمس الحاجة إلي" ثقافة مواجهة". لماذا لا ينظم المسئولون فروعا للمعرض داخل قصور الثقافة التي وعددها نحو ستمائة تغطي المدن من أسوان إلي الإسكندرية؟ لماذا لا ينظم المسئولون ولو جزءا من ندوات المعرض هناك في الريف؟ وفي القرى؟ ولماذا لا يدرجون الحفلات الموسيقية والشعرية في حياة الريف والصعيد؟،
 
ولماذا لا يتوجه كبار الضيوف من نجوم الثقافة إلى النجوع والقرى؟. وبهذا الصدد فإن هناك جانبا مهما يتعلق بالإنفاق على المعرض، وأقصد هنا ميزانية وزارة الثقافة التي تقل عن واحد بالمئة من الموازنة العامة للدولة. فهل تسمح ميزانية كتلك بكل النشاط الذي نعقد آمالنا عليه؟ وربما كان من الممكن تعويض ضعف الميزانية باستغلال أبنية قصور الثقافة المنتشرة والنائمة في العسل نوما عميقا،  وبذلك يمكن ولو لبعض الندوات أن تقام في القرى والريف. هذه المسألة ليست بحاجة إلي ميزانية قدر حاجتها إلي خيال وإرادة وأيضا إلي بوصلة تشير إلي المواقع التي يعيش فيها المحرومون من الكتب والنقاش والفكر والشعر والتنوير والعروض الفنية.
 
إننا نرى ونلمس كل يوم في جرائم القتل والطعن ملامح الفكر المتخلف الذي يسمح للأخ بقتل أخته لمجرد أن قلبها تعلق بشاب وسيم، ونرى ونلمس كل يوم انتشار أولئك الذين يريدون جر مصر ألف عام إلى الوراء.
 
إذا لم يكن ممكنا في دورة المعرض الحالية التقدم خطوة نحو الناس، فيمكن على الأقل طرح القضية للنقاش ووضعها في جدول أعمال واهتمام المعرض الذي نظل نعقد عليه الآمال، ونتطلع إليه بتقدير، وبأمل أن نجد فيه الأدباء الحقيقيين البعيدين عن ضجة الاعلام ومحيط العلاقات الشخصية، وهناك في ذلك السياق أسماء جديرة بالاحتغاء ربمالم يسمع بها القاري من قبل.