فاطمة ناعوت
بدعوة طيبة من الدكتور «إيهاب الخراط»، أتشرفُ بمناقشة رواية «رقرقة الأحلام الملحية» لمهندس المعمار الروائى «إدوار الخراط»، الاثنين القادم، فى صالون الخراط، داخل المكتبة التذكارية التى تحمل اسمه الخالد، بحى جاردن سيتى.
ولأنى أفكرُ بالقلم، ولأن تجربة «الخراط» نصوصٌ مُشعّة ومراوغة، عصيّةٌ على الإمساك بها من زاوية واحدة، ولا تنتهى قراءتُها إلى تأويل واحد، بل تتبدّل دلالاتُها كلما أمعنتَ فى قرأتها، قررتُ أن «ألجم جماح» شلال الرؤى، بتدوين بعض الأفكار معكم فى زاويتى هنا؛ علّنى أقبض على قراءة واحدة لرواية الأديب العسير، المولع بزعزعة يقين الأدب، القابض على معول هدم الحدود بين الرواية والسيرة، بين الذاكرة والخيال، بين العمارة والطلل، بين الشعر والسرد، بين الرسم والنحت، بين الرقص والرسالة والذكرى والموسيقى، بل بين سائر ألوان الأدب والفنون والفكر. وكأن قلمه لا يتحرك ليكتب، بل يبدأ أولا بتهشيم انتظام السطور التى ستحمل الكلمات.
أين تنتهى الرواية وتبدأ السيرة؟ كيف يُضفَرُ التذكّرُ بريشة الخيال؟ وماذا يحدث حين تصبح حياة الكاتب مادةً أدبية، لا وثيقةً شخصية. «رقرقة الأحلام الملحية» لا تعبأ باستعادة الماضى، بل برسم لحظة انبعاثه من مواته. فالذاكرة عند الخراط ليست أرشيفًا نستخرج منه الوقائع، بل مادة حيّة يعيد العقل تشكيلها كلما استدعاها. ما إن تمتد إليها يدُ الكتابة تعيد تشكيلَ ذاتها، كما إلكترون مراوغ لحظة رصده، فى ميكانيكا الكمّ. تتقاطع فى الرواية أزمنةٌ ثلاثة: زمن الحدث، وقت التذكر، لحظة الكتابة. الشابُّ الذى عاش التجربة ليس هو الأديبَ الذى يكتبها بعد عقود. الأول غارقٌ فى اللحظة، والثانى ينظر إليه بعين المسافة، يرى ما لم يستطع الأول رؤيته آنذاك. ومن هذه المسافة الحارقة، يولد الأدب.
العنوان يحمل مفاتيح النص. الرقرقة: الحراك اللامستقر؛ تماوج الضوء فوق الماء، وانعكاس عصيٌّ على الملاحقة. الأحلام: تهدمُ اليقين. الملحية: تمنحُ الحلم جسدًا وتحيلُ إلى: البحر، والدموع، والعرق، والطعم، والحفظ والتآكل. فتحيل إلى هيولية الذاكرة فى المخ البشرى. فالملح يحفظُ من الفساد، ويحرق أيضًا. تلك المفارقة تختصر فلسفة الرواية: الذاكرة تحفظ الماضى، لكنها تحرقه حين يُكتب. كلما حاولنا إنقاذ الذكرى بالكلمات، غيّرناها. البحر فى عالم الخراط ليس خلفية جمالية. بل لوحة رسم لا تستقر ولا تستلم لريشة الرسام. سطح متماوج، عمق سحيق، أشياء تظهر ثم تختفى، وانعكاسات مخاتلة. الإسكندرية، مقاهى البحر، معتقلات أبى قير والهايكستب، رفاق الصِّبا، الأماكنُ التى عبرها الكاتب، لا تستعيد جغرافيتها؛ بل حواسها: الضوء، الصوت، الرائحة، النسيم، الملوحة. ويحق لنا التساؤل عن المرأة فى تجربة «الخراط»، هل يمنحها وجودها الكامل بوصفها ذاتًا، أم يظل يراها من خلال ذاكرة البطل وظلال الأدب؟ فإن كان قد رفع مكانتها إلى أقصى درجات التقديس الفكرى والجمالى وجعلها المركز الأخلاقى والروحى لنصوصه، إلا أن هذا الوجود يظل فى معظمه محكومًا بالإطار الوظيفى الذى يخدم تجربة الرجل الذهنية والوجدانية، وهذا مبحثٌ واسع ربما أتناوله فى مقال قادم.
الماضى «الإدوارى» لا يأتى مُرتبًا. بل هو شلالٌ من الرؤى والوعى والتداعيات الحرة للأفكار، كما قالت «فرجينيا وولف». فالذاكرة ليست خطًّا مستقيمًا؛ بل صورة تستدعى صورة، ورائحة تنشقُّ عن رائحة، ووجه يقود إلى وجه. فالتجريب عند الخراط« ليس لهوًا، بل ضرورةً معرفية. فإذا كانت الحقيقة مُتشظيةً، فكيف يمكن أن يستوعبها شكلٌ روائى ثابت؟ وحين يغدو التشظى أكبرَ من الطاقة التى تمنح النص وحدتَه، يطلُّ الغموض برأسه، ويصبح القارئ شريكًا فى إعادة بناء العمل. وهنا ينجح «الخراط» فى هدم الحائط الرابع، الفاصل بين النص والقارئ: فلا يعود القارئ متلقيًا للحكاية، بل يصبح متورطًا فى صناعة المعنى.
«رقرقة الأحلام الملحية»، رواية عن الخوف من تحوّل الإنسان يومًا إلى مَن لا يتذكره. فنحن نعيش حياتنا: مرةً فى الواقع، ومرةً فى الذاكرة، ومرةً ثالثة فى الكتابة. وفى كل مرة هناك ذاتٌ تتبدّل، وذكرياتٌ تتماوج كهدير البحر. فالمرء لا ينزلُ البحر مرتين، كما علّمنا هيراقليطس، بتصرّف. «الخراط» لا يعود إلى الماضى ليستعيد نفسَه القديمة؛ فهو يدرك أن تلك النفس ماتت، وإنما يحاول رسم أثرها بريشة اليوم. فالكتابة ليست مقبرة للذاكرة، بل هى انتزاعها من أكفانها وإلباسها أثوابًا جديدة ومنحها حياةً أخرى، مصنوعة من ملح: البحر، وملح الدموع، وملح العرق، وملح الزمن، وملح التحنيط والتكفين والبعث. لهذا تبدو الرواية كمحاولة للإمساك بالماء بأطراف الأصابع. نلمس سطحه، فتتسع الدوائر، ثم تتلاشى. نظن أننا أمسكنا الماضى، فإذا بنا لا نمسك إلا رقرقتَه.
مقام السؤال:
إذا كانت ذاكرتنا المراوغةُ تعيد كتابة حياتنا كلما تذكرناها، فأيّهما يكون أصدق فى النهاية: الحياة التى عشناها، أم الحياة التى استنقذناها من عبث الذاكرة؟.
نقلا عن المصرى اليوم





