هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
يمثل الإعلان القضائي إحدى أهم ضمانات المواجهة والإخطار في الدعوى الجنائية؛ إذ لا تكتمل الضمانات الإجرائية لمباشرة الخصومة أو اتخاذ الإجراء في مواجهة أحد أطرافها إلا بإتاحة الوسيلة القانونية التي تمكنه من العلم بما يتخذ قبله من إجراءات، وبالطريقة التي رسمها القانون.
وقد أعاد المشرع المصري تنظيم جانب مهم من هذه المنظومة بموجب القانون رقم 174 لسنة 2025 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية، الذي نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 12 نوفمبر 2025، وحدد تاريخ العمل بأحكامه في الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره، أي 1 أكتوبر 2026.
ومن أبرز المستحدثات في هذا القانون ما قررته المادة 72 من إلزام بعض أطراف الدعوى بتحديد وسيلة صالحة للإعلان، سواء عن طريق الموطن المختار أو رقم الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني، مع ترتيب أثر إجرائي محدد عند عدم تقديم هذه البيانات أو عدم صحتها أو عدم إخطار جهة التحقيق بتغييرها.
ولا يقف التنظيم التشريعي عند المادة 72 وحدها، وإنما يتكامل معها تنظيم إعلان ورقة التكليف بالحضور في المواد اللاحقة، ولا سيما المواد 230 وما بعدها، فضلًا عن إنشاء مراكز للإعلانات الهاتفية والإلكترونية وآليات إثبات وصول الإعلان.
أولًا: الأساس التشريعي للإعلان في قانون الإجراءات الجنائية الجديد
جاءت المادة 71 من القانون لتقرر أصلًا إجرائيًا مهمًا، إذ أوجبت إخطار الخصوم باليوم الذي يباشر فيه عضو النيابة العامة إجراءات التحقيق ومكانها.
ثم جاءت المادة 72 لتضع إطارًا أكثر تحديدًا لبيانات الإعلان ووسائله، فنصت على إلزام:
1- المجني عليه.
2- المدعي بالحقوق المدنية.
3- المسؤول عنها.
بأن يعين كل منهم موطنًا مختارًا في المكان الكائن فيه مقر النيابة التي يجري فيها التحقيق، أو يعين رقم هاتف محمول أو بريدًا إلكترونيًا لإعلانه عليه.
كما أوجبت على المتهم، عقب مثوله في أي إجراء تتخذه سلطة التحقيق، أن يعين موطنًا مختارًا أو رقم هاتف محمول أو بريدًا إلكترونيًا لإعلانه عليه.
وهذا التنظيم يكشف بوضوح أن المشرع لم يعد يقصر فكرة الموطن الإجرائي على العنوان المادي، وإنما وسّع نطاقها ليشمل وسائل الاتصال الحديثة التي يمكن استخدامها في الإعلان وفقًا للضوابط القانونية.
ثانيًا: الطبيعة القانونية للبيانات التي يلتزم الخصم بتقديمها
لا ينبغي النظر إلى البيانات المشار إليها في المادة 72 باعتبارها مجرد بيانات إدارية أو معلومات تكميلية في ملف الدعوى، وإنما هي بيانات إجرائية يترتب عليها تحديد الوسيلة التي يمكن أن يتم بها الإعلان مستقبلًا.
ومن ثم، فإن تعيين الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني ليس مجرد إبداء لوسيلة تواصل شخصية، وإنما يمثل اختيارًا لوسيلة إعلان أجازها المشرع ورتب عليها آثارًا قانونية متى استوفيت شروطها وضوابطها.
ويؤكد ذلك أن المشرع لم يكتفِ بإجازة هذه الوسائل، وإنما رتب على عدم تقديم البيانات أو عدم صحتها أثرًا إجرائيًا محددًا.
ثالثًا: أثر عدم تعيين وسيلة الإعلان أو عدم صحة البيانات
قررت المادة 72 حكمًا بالغ الأهمية مؤداه أن الإعلان في قلم الكتاب يكون صحيحًا إذا:
لم يعين الشخص البيانات التي أوجب القانون تعيينها؛ أو
كان البيان ناقصًا؛ أو كان البيان غير صحيح؛ أو طرأ تغيير على البيان ولم يخطر به صاحبه.
وهذا الحكم يحقق التوازن بين مصلحتين متعارضتين:
الأولى: ضمان وصول الإعلان إلى صاحب الشأن متى قدم وسيلة صحيحة وصالحة للإعلان.
والثانية: منع تعطيل الإجراءات بسبب امتناع صاحب الشأن عن تقديم البيانات أو بسبب إهماله في تحديثها.
ومن ثم، فإن التزام الخصم لا ينتهي بمجرد تقديم رقم الهاتف أو البريد الإلكتروني؛ بل يمتد إلى المحافظة على صحة البيانات وإخطار النيابة العامة بأي تغيير يطرأ عليها.
وقد أكدت مذكرة إدارة التفتيش القضائي، المؤرخة في 10 مايو 2026، ضرورة تنبيه الأشخاص المخاطبين بالمادة 72 إلى واجب إخطار النيابة العامة بكل تغيير يطرأ على الموطن المختار أو رقم الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني المعين للإعلان.
رابعًا: التزام عضو النيابة العامة بإثبات بيانات الإعلان
لم تترك تعليمات النيابة العامة كيفية تنفيذ المادة 72 لاجتهاد فردي، وإنما تضمنت توجيهات عملية لأعضاء النيابة العامة.
فقد أوجبت التعليمات، عقب مثول المتهم في أي إجراء من إجراءات التحقيق، أن يطلب عضو النيابة منه تعيين:
موطن مختار، أو رقم هاتف محمول، أو بريد إلكتروني،
يكون صالحًا للإعلان عليه.
كما أوجبت اتخاذ الإجراء ذاته بالنسبة إلى المجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية والمسؤول عنها.
والأهم من ذلك أن التعليمات أوجبت على عضو النيابة إثبات البيانات في محضر التحقيق، سواء تعلق الأمر بالموطن المختار أو رقم الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني.
وهذا الإثبات ليس إجراءً شكليًا عديم الأثر، بل يمثل الوسيلة التي يمكن من خلالها الرجوع إلى مصدر البيانات التي اعتمد عليها الإعلان، والتحقق من أن الوسيلة المستخدمة هي الوسيلة التي عينها صاحب الشأن قانونًا.
خامسًا: الإعلان وفق المادة 230 من القانون
يتكامل حكم المادة 72 مع المادة 230 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، التي نظمت إعلان ورقة التكليف بالحضور.
فقد قررت المادة 230 أن تعلن ورقة التكليف بالحضور على النحو المنصوص عليه في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 72، أو لشخص المعلن إليه، أو في موطنه المثبت ببطاقة الرقم القومي.
كما نظمت الحالات التي لا يوجد فيها المعلن إليه في موطنه، وأجازت تسليم الورقة في الأحوال المحددة قانونًا إلى من يقوم مقامه وفقًا للنص.
وبذلك يتضح أن المادة 72 ترسم قاعدة تحديد وسيلة الإعلان، بينما تتولى المواد اللاحقة تنظيم كيفية مباشرة الإعلان وإثباته.
وهذا الترابط التشريعي مهم للغاية؛ إذ لا يصح التعامل مع المادة 72 باعتبارها نصًا مستقلًا عن بقية أحكام الإعلان.
سادسًا: الإعلان الهاتفي والإلكتروني ليس مجرد وسيلة اتصال عادية
من أبرز مظاهر التطور في القانون الجديد إدخال وسائل الاتصال الحديثة في منظومة الإعلان القضائي بصورة منظمة قانونًا.
فقد نظمت المادة 231 حالة تعذر تسليم الإعلان بالطريقة المنصوص عليها في المادة 230، وأوجبت، في الأحوال التي حددها النص، توجيه رسالة نصية إلى الهاتف المحمول المثبت ببيانات الرقم القومي للمعلن إليه، مع إرفاق تقرير من مركز الإعلانات يفيد باستلام الرسالة ومستخرج مطبوع لنصها.
وهنا تظهر نقطة قانونية شديدة الأهمية:
الإعلان الهاتفي في القانون الجديد ليس مجرد إرسال رسالة نصية من هاتف إلى هاتف، ولا يكفي فيه إثبات أن شخصًا ما أرسل رسالة عبر تطبيق للمراسلة أو رسالة SMS بصورة عادية.
بل هو إجراء قانوني له مصدر تشريعي، ووسيلة محددة، وضوابط لإثبات الإرسال والاستلام.
ومن ثم يجب التمييز بين:
الاتصال الشخصي العادي
وبين الإعلان القضائي الإلكتروني المنظم قانونًا.
سابعًا: مركز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية
استحدث القانون منظومة مؤسسية للإعلانات الهاتفية والإلكترونية.
فالمادة 232 تقرر إنشاء مركز للإعلانات الهاتفية بدائرة كل محكمة جزئية يتبع وزارة العدل، ويتولى، وفقًا للنص، الاستعلام عن البيانات ذات الصلة وإرسال الإعلانات الهاتفية والإلكترونية وإعداد تقرير بما يفيد استلام الرسائل.
كما ألزمت المادة 233 بأن تشتمل الأوراق التي يقوم المحضرون بإعلانها على بيانات محددة، وأحالت إلى قرار وزير العدل تحديد آلية إثبات تسلسل الإعلانات الهاتفية والإلكترونية وكيفية التحقق من وصولها.
وقد صدر بالفعل قرار وزير العدل رقم 47446 لسنة 2026 بشأن تنظيم مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية وآلية عملها، بالتزامن مع قرب بدء العمل بالقانون الجديد في 1 أكتوبر 2026.
وهكذا أصبح الإعلان الإلكتروني جزءًا من منظومة إجرائية متكاملة، وليس مجرد إجراء تقني منفصل عن النظام القضائي.
ثامنًا: الإعلان الصحيح يقتضي احترام التسلسل الإجرائي
من مجموع النصوص سالفة البيان يمكن استخلاص قاعدة جوهرية، هي أن صحة الإعلان لا تقاس بمجرد وصول معلومة إلى علم الشخص بصورة واقعية، وإنما بمدى احترام الطريق الذي رسمه القانون للإعلان.
فالعبرة ليست فقط بالسؤال:
هل علم الشخص بالإجراء؟
وإنما كذلك: هل تم إعلانه بالطريقة التي أوجبها القانون؟
وهذا التمييز له أهمية خاصة في المجال الجنائي، حيث ترتبط إجراءات الإعلان بضمانات الدفاع وبمبدأ المواجهة وبسلامة الإجراءات التي تسبق المحاكمة.
فالعلم الواقعي قد يكون عنصرًا من عناصر تقدير المسألة في بعض السياقات، إلا أنه لا يصح افتراض أن أي وسيلة اتصال غير منصوص عليها قانونًا يمكنها تلقائيًا أن تحل محل الإعلان الذي رسم المشرع طريقته وشروطه.
تاسعًا: الموطن المختار والهاتف والبريد الإلكتروني – وسائل متكاملة وليست متعارضة
لم يجعل المشرع الموطن المختار والهاتف المحمول والبريد الإلكتروني وسائل متعارضة، وإنما أتاح للشخص الخاضع للمادة 72 اختيار إحدى الوسائل التي أجازها النص.
وبالتالي يمكن تصور ثلاث صور:
الصورة الأولى: تعيين موطن مختار
في هذه الحالة يكون الموطن المختار هو البيانات الإجرائية التي يمكن الرجوع إليها في الإعلان وفقًا للقانون.
الصورة الثانية: تعيين رقم هاتف محمول
يصبح الرقم المعين وسيلة يمكن استخدامه في الإعلان وفق الضوابط والإجراءات المقررة قانونًا.
الصورة الثالثة: تعيين بريد إلكتروني
يصبح البريد الإلكتروني وسيلة إعلان متى استوفيت الإجراءات والضوابط القانونية والتنظيمية الخاصة بالإعلان الإلكتروني.
والقاسم المشترك بين الصور الثلاث هو ضرورة أن يكون البيان صحيحًا وصالحًا وقابلًا للاستخدام في الإعلان.
عاشرًا: مسؤولية صاحب البيانات عن تحديثها
من أهم الأحكام التي ينبغي التنبيه إليها أن المشرع لم يرتب المسؤولية الإجرائية على تقديم بيان غير صحيح فحسب، وإنما امتد الحكم إلى حالة تغيير البيانات دون إخطار جهة التحقيق.
فإذا قدم المتهم مثلًا رقم هاتف معينًا، ثم تغير الرقم ولم يخطر النيابة العامة بذلك، فلا يجوز له بعد ذلك أن يتخذ من عدم وصول الإعلان إلى الرقم القديم سببًا تلقائيًا لنفي صحة الإعلان؛ ذلك أن المادة 72 رتبت صراحة صحة الإعلان في قلم الكتاب عند حدوث التغيير دون إخطار.
والحكمة التشريعية واضحة: لا يجوز أن يتحول إهمال صاحب الشأن في تحديث بياناته إلى وسيلة لتعطيل سير الدعوى أو إفشال إجراءات الإعلان.
حادي عشر: أهمية مذكرة إدارة التفتيش القضائي
تكتسب مذكرة إدارة التفتيش القضائي أهمية عملية بالغة؛ لأنها تأتي في إطار الاستعداد لبدء العمل بالقانون الجديد، وتهدف – وفق ما ورد بها – إلى تحقيق الغاية التي ابتغاها المشرع، وضمان حسن تطبيق الأحكام وتوحيد العمل بها.
وقد حددت المذكرة أربع قواعد عملية رئيسية:
1- طلب عضو النيابة من المتهم عقب مثوله في أي إجراء من إجراءات التحقيق تعيين وسيلة للإعلان.
2- طلب البيانات ذاتها من المجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية والمسؤول عنها، وفقًا لما قررته المادة 72.
3- إثبات البيانات في محضر التحقيق.
4- تنبيه صاحب الشأن إلى ضرورة إخطار النيابة العامة بأي تغيير يطرأ على البيانات.
ومن الناحية العملية، فإن هذه التعليمات تساعد على إنشاء سجل إجرائي واضح يمكن الرجوع إليه عند مباشرة الإعلان لاحقًا.
ثاني عشر: الإعلان الصحيح في ضوء ضمانات الدفاع
لا ينبغي النظر إلى تنظيم الإعلان على أنه مجرد وسيلة لتسريع الإجراءات، وإنما هو في جوهره ضمانة من ضمانات الدفاع.
فالمتهم لا يستطيع ممارسة حقه في الدفاع بصورة فعالة ما لم يعلم بالإجراء الذي يتعين عليه اتخاذ موقف بشأنه، كما أن بقية أطراف الخصومة لا يستطيعون ممارسة حقوقهم الإجرائية على الوجه الأكمل ما لم تتوافر لهم وسيلة قانونية للعلم بالإجراءات.
ولهذا فإن الاتجاه التشريعي الجديد يجمع بين أمرين:
الأول: المحافظة على الضمانات التقليدية للإعلان.
والثاني: الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في تحقيق سرعة الإعلان ودقته وإمكان إثبات عملية الإرسال والاستلام.
ثالث عشر: ضابط جوهري – لا يكفي مجرد وجود رقم هاتف أو بريد إلكتروني
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها افتراض أن مجرد وجود رقم هاتف أو بريد إلكتروني في أوراق القضية يجعل الإعلان الإلكتروني صحيحًا تلقائيًا.
فالذي يعتد به هو البيان الذي عينه صاحب الشأن وفق المادة 72، أو الوسيلة التي حددها القانون في الحالات التي رسمها، مع استيفاء إجراءات الإعلان وإثباته.
ومن ثم يجب التمييز بين:
١- رقم هاتف موجود عرضًا في محضر أو مستند؛
٢- ورقم هاتف عينه الشخص صراحة كوسيلة للإعلان.
وكذلك بين: بريد إلكتروني ورد في مستند من المستندات ، وبريد إلكتروني عينه الشخص صراحة للإعلان عليه.
وهذه التفرقة تكتسب أهمية عملية في تقييم صحة الإعلان ومصدر البيانات التي بني عليها.
رابع عشر: أثر الإعلان الصحيح في سلامة الإجراءات
الإعلان ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق العلم القانوني بالإجراء وتمكين صاحبه من مباشرة حقوقه.
ولهذا فإن سلامة الإعلان ترتبط بسلامة الإجراء الذي بني عليه، بحسب طبيعة الإجراء والنصوص المنظمة له.
ومن ثم يجب عند فحص أي إعلان جنائي الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المتتابعة:
أولًا: ما النص القانوني الذي ينظم الإعلان محل البحث؟
ثانيًا: من هو الشخص المخاطب بالإعلان؟
ثالثًا: هل عين هذا الشخص موطنًا مختارًا أو هاتفًا محمولًا أو بريدًا إلكترونيًا وفق المادة 72؟
رابعًا: هل البيانات صحيحة وكاملة؟
خامسًا: هل تم إخطار جهة التحقيق بأي تغيير في البيانات؟
سادسًا: ما الوسيلة التي استخدمت فعليًا في الإعلان؟
سابعًا: هل استوفت هذه الوسيلة الإجراءات والضوابط التي حددها القانون؟
ثامنًا: هل يوجد في ملف الدعوى ما يثبت إتمام الإعلان بالطريقة القانونية؟
وهذه الأسئلة تمثل إطارًا عمليًا مناسبًا لفحص صحة الإعلان.
خامس عشر: الفرق بين الإعلان في قلم الكتاب والإعلان بالوسائل المحددة في المادة 72
أقام المشرع تدرجًا منطقيًا في المادة 72.
فالأصل أن الشخص المخاطب بالنص يقدم وسيلة يمكن إعلانه عليها.
فإذا لم يقدم البيانات، أو قدم بيانات ناقصة أو غير صحيحة، أو تغيرت البيانات ولم يخطر بها، جاز الاعتداد بالإعلان في قلم الكتاب وفقًا للنص.
وبذلك لا يكون الإعلان في قلم الكتاب إجراءً عشوائيًا أو استثنائيًا بلا أساس، وإنما هو أثر قانوني رتبه المشرع صراحة على عدم وفاء الشخص بالتزامه الإجرائي المتعلق ببيانات الإعلان.
سادس عشر: الإعلان الإلكتروني والتحول الرقمي للعدالة الجنائية
يكشف التنظيم الجديد عن انتقال واضح من مفهوم الإعلان الورقي وحده إلى منظومة تجمع بين الإعلان التقليدي والإعلان باستخدام وسائل الاتصال الحديثة.
وهذا التحول يظهر في:
١- الاعتداد بالهاتف المحمول كوسيلة للإعلان.
٢- الاعتداد بالبريد الإلكتروني.
٣- إنشاء مراكز متخصصة للإعلانات.
٤- إعداد تقارير تثبت الاستلام.
٥- توثيق تسلسل إجراءات الإعلان؛
٦- تنظيم آلية التحقق من وصول الإعلان.
كما أن قرار وزير العدل رقم 47446 لسنة 2026 جاء في إطار وضع الآليات التنظيمية اللازمة لتشغيل مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية مع بدء تطبيق القانون.
وبذلك تتجه منظومة الإعلان إلى الجمع بين السرعة والموثوقية وإمكان التتبع والإثبات.
إن قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 لم يتعامل مع الإعلان باعتباره إجراءً شكليًا منفصلًا عن ضمانات المحاكمة، وإنما أعاد تنظيمه في إطار منظومة إجرائية متكاملة تقوم على تحديد وسيلة الإعلان مسبقًا، وإلزام صاحب الشأن بتقديم بيانات صحيحة، وإلزامه بتحديثها، مع ترتيب أثر قانوني واضح عند عدم القيام بذلك.
وتأتي المادة 72 في قلب هذه المنظومة، إذ أسست لفكرة حديثة في الإعلان الجنائي تقوم على الاعتداد بالموطن المختار أو الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني كوسائل قانونية للإعلان، مع تحميل صاحب الشأن مسؤولية صحة البيانات وتحديثها.
ثم جاءت المواد 230 إلى 233 لتستكمل البناء التشريعي، فنظمت إعلان ورقة التكليف بالحضور، والإعلان بالرسائل النصية في الحالات التي حددها القانون، وإنشاء مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية، وآليات إثبات تسلسل الإعلان والتحقق من وصوله.
كما جاءت مذكرة إدارة التفتيش القضائي في 10 مايو 2026 لتضع أمام أعضاء النيابة العامة قواعد عملية لتوحيد تطبيق المادة 72، وعلى الأخص ضرورة سؤال المتهم وسائر المخاطبين بالنص عن وسيلة الإعلان، وإثبات البيانات في محاضر التحقيق، والتنبيه إلى وجوب إخطار النيابة بأي تغيير يطرأ عليها.
وعليه، فإن الإعلان الجنائي الصحيح في ظل القانون الجديد لا يقوم بمجرد وصول خبر الإجراء إلى علم الشخص، ولا بمجرد إرسال رسالة إليه بأي وسيلة، وإنما يقوم على احترام سلسلة الإجراءات التي رسمها القانون: تحديد الوسيلة، وصحة البيانات، وإثباتها، واستخدام الوسيلة القانونية، واستيفاء ضوابط الإعلان وإثبات وصوله متى تطلب القانون ذلك.
ومن ثم فإن دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التنفيذ في 1 أكتوبر 2026 يمثل تحولًا مهمًا في فلسفة الإعلان الجنائي، إذ يجمع بين ضمانات الإعلان التقليدي ومتطلبات التحول الرقمي، مع إبقاء سلامة الإجراء وخضوعه للنص القانوني في مقدمة الاعتبارات الحاكمة لصحة الإعلان.





