بقلم: أندرو اشعياء
كنت أقرأ عن موسى النبي، حتى بلغت إلى ساعة نياحته، فتوقفت طويلًا أمام هذا المشهد المهيب، وكأنني أقف على عتبة سرٍّ عظيم من أسرار الطاعة والتسليم. لقد أمره الله أن يصعد إلى جبل نبو، إلى الموضع المرتفع، حيث ترتفع الأرض نحو السماء، وحيث تمتد أمام عينيه أرض الموعد. كان موسى يومئذٍ قد بلغ مئةً وعشرين عامًا؛ جسد أضناه السفر، وأكتاف حملت أثقال شعب بأكمله، وخطوات قطعت برية قاسية، ومع ذلك صعد. صعد الجبل في شيخوخته، بين الصخور والوعورة، والريح تعصف حوله، والسنون تثقل الجسد، وقلبه يعرف أن هذه الخطوات الأخيرة تقوده إلى مشهد الوداع. 

كان الله يريه كنعان، الأرض التي سار نحوها أربعين عامًا، والتي طالما اشتهاها قلبه، والتي من أجلها احتمل التذمر والعصيان والسقوط والقيام، واحتمل مرارة البرية ووحشة الطريق وثقل الرسالة. ثم جاءت اللحظة التي يكتمل فيها الامتحان الأخير: أن يرى الوعد بعينيه، وتبقى قدماه خارج الأرض. يا لعمق الطاعة حين تبلغ النفس هذا المقام من النضج! أن يصعد موسى إلى الجبل وهو يعرف أن النزول منه ليس له؛ وأن يرى ما انتظرته عيناه طويلًا، ثم يضع رغبته كلها عند قدمي الله، ساكنًا، هادئًا، مستسلمًا، وقد صار قصد الله في قلبه أغلى من تحقيق أمنيته. 

هنا أدرك موسى أن أعظم عطية ليست أرضًا، ولا مجدًا، ولا امتدادًا للرسالة، ولا حتى أن يرى الإنسان ثمرة تعبه كاملة أمام عينيه. أعظم عطية هي الله نفسه.. أن يصل الإنسان إلى نهاية الطريق وهو يعرف في أعماقه أن حياته كانت في يد الله منذ أولها إلى آخرها، وأن كل خطوة، وكل تعب، وكل دمعة، وكل انتصار، وكل انكسار، كانت خيطًا في تدبير إلهي أوسع من عمره وأبعد من رؤيته. موسى الذي نشأ في القصر، وعاش في حضرة الملوك، وحمل عصا الله في البرية، ووقف أمام فرعون، وشق البحر، وصعد إلى السحابة، وتلقى الوصية من فم الله؛ ينتهي به الطريق فوق جبل، وحيدًا في عيون البشر، حاضرًا في عناية الله. 

هناك، في علو الجبل، صار المشهد كله صلاة: صار الجبل مذبحًا، والصعود تقدمة، والشيخوخة قربانًا، والوحدة شركة، والنهاية اكتمالًا للطاعة. وكم هو عجيب أن ينتهي رجل بهذه العظمة بعيدًا عن شعبه! كأن الله أراد أن تكون خاتمة موسى درسًا للأجيال: أن قيمة الرحلة ليست في المكان الذي نصل إليه، وإنما في اليد التي قادتنا طوال الطريق، وبما سلّمه لله من قلبه وحياته وإرادته. مات موسى على الجبل، وترك وراءه شعبًا، ووصية، وسيرةً، وآثارًا لا تزال تتكلم. ترك قصة رجل عاش لله، وتعب لله، واحتمل من أجل الله، وصار في يدي الله حتى النفس الأخير. 

رجل القصر العظيم، الذي خرج من مجد القصور إلى قسوة البرية، ومن حياة الرفاهية إلى عصا الراعي، ومن العصا إلى الرسالة، ومن الرسالة إلى الجبل، ومن الجبل إلى حضن الله. لم تكن كنعان هي النهاية التي صنعها الله لموسى؛ كانت معرفة الله، والشركة معه، وإتمام الطاعة، والوصول إلى غاية الدعوة الإلهية هي الأفق الأعمق لحياته. وحين سكت صوت موسى على الأرض، بقيت سيرته تصرخ في ضمير الأجيال: طوبى للنفس التي تعرف متى تصعد، ومتى تسلّم، ومتى تترك الوعد في يد صاحبه. طوبى لمن يصير الله غايته، فيستطيع أن يترك حتى ما اشتهاه قلبه، حين يرى أن إرادة الله أقدس من أمانيه. وطوبى للخادم الذي تكون نهايته بين يدي الله، بعد أن قضى أيام غربته أمينًا على ما ائتمنه الله عليه. بالإيمان تشدد موسى كأنه يَرى مَن لا يُرى (رسالة ق. بولس إلى العبرانيين11: 27)