أتعجّب كثيرًا من تكرار الأخطاء، وتقديمها بدون فحص أو أيّ محاولة للتصحيح..

القمص يوحنا نصيف 
    ويؤلمني أن يتمّ تشويه الوعي الكنسي بمعلومات خاطئة تمامًا، ولو بغير قصد، وتثبيت هذا التشويه بتقديمه مرارًا وتكرارًا، وكأنّ تكرار الخطأ سيحوّله إلى حقيقة سليمة!

    جاء في سنكسار الأمس بالخطأ أنّنا نحتفل بتذكار استشهاد زكريا الكاهن، وعلى الرغم من المطالبة لمرات عديدة بتصحيح هذا الخطأ، إلّا أنّ هذا لم يتمّ حتى الآن! لقد كتبت ونشرت كتابًا منذ عام 2008م بعنوان "أطفال بيت لحم"، وناقشت فيه العديد من الموضوعات المتعلّقة بهذه الحادثة، ثمّ نشرت العديد من المقالات حول هذا الموضوع..

    فلماذا يُعتَبَر خبر مقتل زكريّا الكاهن والد يوحنّا المعمدان لا يمتّ للحقيقة بِصِلَةٍ، ومَن هو زكريا الذي قُتِلَ بين المذبح والهيكل، وأشار له السيد المسيح (مت23: 35، لو11: 51)؟!

    لكي نجيب على هذا السؤال، ينبغي أن نعرف أنّ هناك حوالي 32 شخصًا في الكتاب المقدّس حملوا اسم "زكريا".. أشهرهم ثلاثة، هم:
   1- زكريّا بن يهوياداع الكاهن (القرن 8 قبل الميلاد)، الذي عاش في عصر يوآش ملك يهوذا، وقد رجمه الشّعب بالحجارة في دار بيت الرب بين المذبح والهيكل، بعد أن وبّخهم على خطاياهم، وقال وهو يموت: "الرب ينظر ويُطالِب" (2أخبار24: 20-22).

   2- زكريّا بن براخيا بن عِدُّو النبي (القرن 5 قبل الميلاد)، وهو كاتب سِفر زكريّا، وأحد الأنبياء الصغار، ولكن لم يَذكُر الكتاب المقدَّس شيئًا عن سفك دمه بين الهيكل والمذبح، خاصّةً أنّ الهيكل في عصره كان مجرّد حطام.. وقد عاش طويلاً، ومات ودُفِن بجوار حَجَّي النبي صديقه ورفيق خدمته.

   3- زكريّا الكاهن والد يوحنّا المعمدان.. وهو من فِرقة أبيّا (لو1: 5)، وتنبّأ عن المسيح المُخَلِّص نبوّة جميلة بعد مولِد ابنه يوحنا (لو1: 67-79)، ولم يذكر الكتاب المقدّس شيئًا عن ظروف وفاته.. إلاّ أنّه كان شيخًا متقدِّمًا في الأيام وقت ميلاد ابنه (لو1: 18).

    + يُجمِع تقريبًا كُلّ آباء الكنيسة والمفسِّرين أنّ زكريّا الذي أشار السيِّد المسيح في حديثه إلى مقتله بين المذبح والهيكل، هو زكريّا بن يهوياداع (بن براخيا)، وليس زكريّا بن عِدُّو النبي ولا زكريّا والد يوحنا المعمدان.

    + كان زكريّا بن يهوياداع (بن براخيا) رئيسًا للكهنة في زمانه، وكان نبيًّا أيضًا يعظّ بالروح القدس عن البِرّ والتوبة.. وقد أمَرَ الملكُ يوآش برجمه بالحجارة في داخل بيت الرب. وهذه الجريمة يَذكرها السيِّد المسيح لِشِدّة بشاعتها، وقد ذُكِرَت في التلمود اليهودي يحوطها الحزن والفزع. وهذه الحادثة كانت أحد أسباب السّبي الذي قام به نبوخذنصّر بعد ذلك.

    + هناك نقطة هامّة، أنّ الربّ يسوع كان يقصد –على الأرجح- أن يَذكُر أول شهيد بار في الكتاب المقدّس الذي هو "هابيل" (تك4: 8)، وآخِر شهيد ذُكِر في آخِر الأسفار التاريخيّة، وهو سِفر أخبار الأيّام الثاني.. وجدير بالذِّكر أنّ هذا السِّفر هو آخِر سِفر في الكتاب المقدّس العِبري بحسب الترتيب اليهودي الذي يختلف عن ترتيبنا نحن المسيحيين لأسفار العهد القديم.. فهابيل هو أوّل شهيد في الأسفار المقدّسة، وزكريّا هو آخِر شهيد.

    + كانت الشخصيّتان "هابيل" و"زكريّا" معروفتين تمامًا كشخصيَّات تاريخيّة، لكلّ الكتبة والفرّيسيين الذين كانوا يسمعون الرب يسوع.. أمّا "زكريا" أبو يوحنّا فلم يكُن مشهورًا ولا معروفًا عند السّامعين حتّى يذكره السيِّد المسيح في حديثه، بل كان مجرّد كاهن وسط الآلاف من الكهنة.. كما أنّه إذا كان الربّ يقصد "زكريّا" والد يوحنا، فبحسب القصّة المزعومة فإنّ اليهود لم يقتلوه بل جند هيرودس، وبالتالي لا يمكن تحميل اليهود مسئوليّة سفك دمه!!
    هكذا يمكننا تأكيد أنّ "زكريّا" الذي قُتِلَ بين المذبح والهيكل، ليس هو "زكريّا" الكاهن والد يوحنا المعمدان.

    هُنا يَظهَر تساؤل آخِر: ما مدى حقيقة القصّة المتداولة عن زكريا الكاهن والد يوحنا وهو يحاول إنقاذ ابنه من مذبحة أطفال بيت لحم؟!

    القصّة المذكورة في بعض الكتب المزيّفة (مثل ما يُسمَّى بإنجيل يعقوب الصغير) يقول ملخّصها:
    [أنّ زكريا الكاهن عندما فاجأه جنود هيرودس في بيته، طالبين قتل طفله يوحنا، حمل الطفل على يديه وهرب به إلى أورشليم، وكان جنود هيرودس يطاردونه.. فأسرع زكريّا إلى الهيكل، ووضع يوحنّا على المذبح قائلاً: من هنا استلمته وهنا أتركه.. وفي خروجه لاقاه الجنود الذين كانوا يركضون بسرعة وراءه، فعندما لم يجدوا الطفل معه قتلوه بين الهيكل والمذبح.. أمّا يوحنا فقد حمله ملاك الرب إلى البرّيّة؛ حيث عاش هناك إلى يوم ظهوره وبداية خدمته لشعب إسرائيل].

    هذه القصّة في الحقيقة هي قصّة خياليّة تمامًا، وبها الكثير من التلفيق، وتخلو تمامًا من المَنطِق، لأسباب كثيرة، منها:
   1- زكريا وأليصابات لم يكونا يسكنان في "بيت لحم" جنوب أورشليم، ولا في تخومها، بل كانا يقطنان في قرية تبعد حوالي 7 كيلومتر عن أورشليم ناحية الغرب -وسط الجبال- وتُسَمّى حاليًا "عين كارم".

   2- كيف يمكن لزكريّا الكاهن الشيخ، المتقدِّم في الأيام، أن يركض مُسرِعًا من "بيت لحم" (المزعوم إقامته فيها)، ويسبق الجنود وهو يجري حاملاً ابنه لحوالي عَشرة كيلومترات متواصلة (وهي المسافة بين بيت لحم وأورشليم)، عبر الجبال والمنحنيات في المنطقة، حتّى يصل إلى الهيكل بأورشليم.. وفي كلّ هذه المسافة لا يَلحَق به الجنود؟!!

   3- ما هو المذبح الذي وضع زكريا يوحنا عليه؟ هل هو مذبح البخور.. وهو لم يكُن مُصَرَّحًا له بالدخول إليه إلاّ بالقُرعة فقط، في دوره وسط إخوته الكهنة (لو1: 9)؟!! أَم هو مذبح المحرقة الذي كانت النار ترتفع عليه بشكل متواصل ليلاً ونهارًا.. ولا يوضَع عليه إلاّ المحرقات اليوميّة والذبائح.. فإذا وُضِعَ عليه الطفل يوحنا فسوف يُشوَى بالنار في الحال، ويحترق ويموت في ثوانٍ قليلة؟!!!

   4- كيف يستطيع الطفل الرضيع يوحنا أن يعيش في البرّيّة، دون أيّة رعاية من أحد؟!! فإذا كان قد قيل عنه أنّه عاش في البراري (لو1: 80)، فهذا صحيح، ولكن ليس منذ تلك السِّن المبكّرة، التي لا يؤيِّدها المنطق العاقل، ولا تؤكِّدها أيّة شواهد إنجيليّة!!

    في الختام، أكرّر مُجَدَّدًا مناشدتي بحذف هذه القصّة الخاطئة من السنكسار، مع مراعاة تصحيح المعلومات المتضارِبة التي تتعلّق بها، وجاءت في قراءات السنكسار أيّام [8 توت - 3 طوبة – 15 أمشير – 30 بؤونة] إلى حين يتمّ إصدار طبعة سليمة مُنَقّحة جديدة لهذا الكتاب الكنسي الهام.

القمص يوحنا نصيف