مودى حكيم
تختلف تجارب دول العالم فى التعليم بناءً على ثقافتها واحتياجاتها، وتتمثل أزمة التعليم فى مصر فى مزيج مركب من التحديات الهيكلية والمزمنة التى تؤثر على جودة وتكافؤ الخدمة التعليمية من كثافة طلابية، لعجز أعداد المعلمين وضعف البنية التحتية والتمويل. رغم جهود ومقترحات الحل والسعى للتطوير، فالأزمة قائمة.
ولأن قضية التعليم وأزمته قضية إنسانية تؤثّر على مستقبل وطن، ورغم كل التحديات الاقتصادية لا بد أن نتطلع لنرى ماذا فعل الآخرون، فمن الضرورى الاستفادة من تجارب البلدان التى تواجه تحديات مماثلة وتمكنت من إيجاد حلول، وتبرز عدة نماذج رائدة يمكن الاستفاده منها، تلك التى تعمل أنظمتها التربوية على أعلى المستويات كاليابان، فنلندا، سنغافورة، كوريا، هولندا، كندا والصين.
فنلندا كنموذج تتمتع بواحد من أفضل أنظمة التعليم جودةً على مستوى العالم، صنفت مجلة «الإيكونوميست» فنلندا فى المرتبة الأولى ضمن «مؤشر التعليم من أجل المستقبل».
يبدأ النموذج التعليمى فى فنلندا منذ اللحظات الأولى، حيث توفر لكل طفل يولد فى البلاد صندوقًا يحتوى على ملابس وملاءات وألعاب؛ وهى بمثابة «مجموعة مستلزمات أولية»، وصُمم الصندوق كبيت صغير ليكون مكانًا لنوم الطفل، كما تم إدراج كتاب مصور فيه للتأكيد على أهمية التعليم منذ البداية.
ويعود تاريخ هذا التقليد إلى ثلاثينيات القرن العشرين، وقد وُضع لضمان حصول كل طفل- بغض النظر عن خلفيته- على بداية متكافئة فى الحياة، مع توفير تعليم بدوام كامل.
لا يبدأ التعليم الإلزامى فى فنلندا إلا عندما يبلغ الأطفال سن السابعة، إذ يرى الخبراء هناك أن الأطفال يتعلمون بشكل أفضل عندما يكونون مستعدين لذلك، وعند بلوغهم سن السابعة، يكون لديهم شغف بالتعلم.
وبدلًا من ذلك، ينصب التركيز على النمو فى السنوات المبكرة، حيث تعمل البرامج الحكومية والقيم المجتمعية على تعزيز التعلم من خلال التعليم الأسرى واللعب الحر.
ولأن الأطفال لا يبدأون المدرسة إلا عند بلوغهم سن السابعة، تولى فنلندا أهمية كبيرة لقيمة اللعب فى السنوات المبكرة؛ حيث يتم التركيز بشكل كبير على أهمية اللعب فى مراحل نموهم المبكرة.
ويتبنى البرنامج الحكومى الفنلندى نهجًا متكاملًا يجمع بين الرعاية والتعليم والتدريس، وهو ما يُعرف بمصطلح «educare» (الدمج بين التعليم والرعاية).
ينص البرنامج على أن «التعلم من خلال اللعب أمر جوهرى»، وتظل قيمة وقت اللعب محورًا رئيسيًا طوال المراحل الدراسية، فيحظى الطلاب فى فنلندا بفترات استراحة أكثر، وساعات دوام مدرسى أقصر، وواجبات منزلية قليلة جدًا، مما يتيح لهم وقتًا أكبر لممارسة أنشطة.
وتتميز المدارس ومراكز الرعاية النهارية فى فنلندا بتقديم مستويات عالية من الدعم الذى يحتاجه الطفل؛ فيتم توفير الغذاء والرعاية الطبية، وحتى خدمات النقل من وإلى المدرسة مجانًا، كما يتوفر فى المدارس ممرضون وإخصائيون نفسيون لتقديم الخدمات لمن يحتاج إليها.
يُنظر إلى انخفاض نسبة المعلمين التربويين مقارنة بعدد المتعلمين لتقديم رعاية شخصية ومكثفة للأطفال، فتوصى هيئة EPEC التعليمية فى فنلندا بحد أقصى يبلغ أربعة أطفال لكل معلم فى الفئة العمرية من الولادة وحتى ثلاث سنوات، وسبعة أطفال لكل موظف بالنسبة للأطفال الأكبر سنًا.
كما يتم الحرص عمومًا على إبقاء أحجام الفصول الدراسية عند أدنى مستوى ممكن، بحيث لا يتجاوز عدد التلاميذ ٢٥ تلميذًا لكل معلم، بالإضافة للاهتمام الكبير والأهمية القصوى لتدريب العاملين فى القطاع التعليمى من معلمين وممارسين تربويين بدعمهم وتطويرهم مهنيًا؛ كما يتمتع المعلمون والمختصون فى مجال التعليم المبكر بمكانة اجتماعية مرموقة فى فنلندا، كما أن المنافسة للالتحاق بهذه المهنة شديدة للغاية، ولا يوجد سوى مسار واحد لدخول هذه المهنة؛ إذ يتعين على أى شخص يرغب فى أن يصبح معلمًا فى فنلندا الحصول على درجة الماجستير فى التربية، والأهم أن التعليم فى فنلندا يحظى بتقدير الجميع، وبقيمة كبيرة يوليها المجتمع بأسره للتعليم والمعلم. فالثقافة الفنلندية تُعلى من شأن التعليم وتشجع على التعلم، والمُعلِّم الفنلندى يتبنى نهجًا يؤمن بأن «كل عقل له أهميته»، فيتلقى جميع الأطفال تعليمهم معًا بغض النظر عن قدراتهم.
لذا، نرفع القبعة لفنلندا التى تقود الطريق باعتبارها صاحبة أفضل نظام تعليمى فى العالم، ونأمل أن نستفيد ولو بالقليل من التجربة الفنلندية!
نقلا عن المصرى اليوم





