د. رامي عطا صديق
لا تستقيم الحياة من دون مبادرات، فردية وجماعية، ولا تنهض المجتمعات الحديثة والمتمدنة إلا بالتشبيك والتعاون والشراكة بين مختلف أطرافها، المُتمثلة فى الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدنى، فعلى كل طرف تقع مسؤوليات وواجبات، من أجل تحقيق المصلحة العامة ونشر الخير العام للمجتمع ومواطنيه.

وعبر تاريخ مصر الحديث والمعاصر عرفنا مئات الرواد وآلاف الرموز، ممن كانت لديهم روح المبادرة، وممن امتلكوا قيمة الشجاعة ومهارة الإقدام فى كثير مما يخص المجال العام، فكانت المبادرة وراء الكثير من المشروعات العظيمة التى خرجت إلى النور واستمرت إلى اليوم، مثل المدارس والجامعات والمستشفيات والجمعيات الأهلية الخيرية والنقابات المهنية، وغيرها من مشروعات ومؤسسات اقتصادية واجتماعية وثقافية. تمثلت مبادرة العلامة رفاعة الطهطاوى فى اهتمامه بالترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، فكان له الدور الأبرز فى تأسيس مدرسة الألسن، والتى انطلقت معها حركة الترجمة فى مصر والعالم العربى، كما أنه اهتم بالتعليم والعمل الصحفى والتأليف، حتى استحق رفاعة أن يُلقب برائد التنوير فى مصر الحديثة. واجتهد البابا كيرلس الرابع، البطريرك الـ«١١٠»، فى العمل على تنظيم أحوال الكنيسة القبطية، كما اهتم بالتعليم وإنشاء المدارس، حتى استحق أن يُلقب بأبى الإصلاح القبطى فى مصر الحديثة. واهتم الشيخ محمد عبده، أول مفتى للديار المصرية، بالإصلاح والتنوير، بعيدًا عن لغة التشدد والتطرف، ومن هنا جاءت كتاباته وتصريحاته فى مواجهة التعصب، ودعم الاعتدال والوسطية. وتركزت مبادرة المفكر والمصلح الاجتماعى قاسم أمين حول النهوض بالمرأة المصرية وتحريرها من قيود الجهل والتخلف، والتأكيد على أنها «إنسان مثل الرجل»، ومن هنا استحق قاسم أن يُلقب بمحرر المرأة، على الرغم من أنه لم يكن الأول الذى دعا إلى تعليم المرأة والنهوض بأحوالها فى تاريخنا الحديث، لكنه كان الأكثر جرأة والأكثر شجاعة، ولم يضعف أمام كل ما تعرض له من هجوم وانتقاد.

وكانت مبادرة أحمد لطفى السيد فى تأكيده على أن مصر للمصريين، وإيمانه بالتسامح والوحدة الوطنية، وقيمة الديمقراطية وحرية الرأى والتعبير، ومن هنا استحق أن يُلقب بفيلسوف القومية المصرية. وسعى طلعت حرب نحو تعظيم قوة مصر الاقتصادية وتأسيس كيانات اقتصادية وطنية، من منطلق إيمانه بأن الاستقلال الاقتصادى لا يقل أهمية عن الاستقلال السياسى والعسكرى. واهتم الدكتور نجيب محفوظ بتأسيس مدرسة مصرية فى الطب، ومن أعماله أنه أسس قسم النساء والتوليد بطب قصر العينى.

وفى مجال الحركة النسائية وتحرير المرأة على أرض مصر عرفنا سيدات مبادرات، منهن صفية زغلول وهدى شعراوى وإستر فهمى ويصا وبلسم عبد الملك وملك حفنى ناصف ونبوية موسى ودرية شفيق وأمينة السعيد وأخريات كثيرات.

ومن التاريخ القريب تبرز أسماء كثيرة فى مختلف المجالات، فى التربية والتعليم والطب والهندسة والمحاماة والصحافة والإعلام والرياضة والفن والأدب وغيرها. يبرز الأديب نجيب محفوظ بتعبيره عن الحارة المصرية وحركة المصريين من جيل إلى جيل فى لغة أدبية رفيعة. والدكتور أحمد زويل واهتمامه بالبحث العلمى، والدكتور مجدى يعقوب بتأسيسه مركزًا طبيًا عالميًا لعلاج الأطفال مرضى القلب. والدكتور محمد غنيم مؤسس مركز أمراض الكلى والمسالك البولية بجامعة المنصورة. والكاتبة الصحفية أمينة شفيق وإيمانها بدور الصحافة فى مناقشة قضايا المرأة والعمال والفلاحين، واهتمامها بالعمل النقابى. ومنهم أيضًا رجل الصناعة والاستثمار محمد فريد خميس، الذى آمن بأولوية التصنيع وتعظيم الإنتاج، والاستثمار فى البشر من خلال التعليم، وتفعيل الدور الاجتماعى لرجال وسيدات الأعمال. تطول القائمة لتضم رجالًا وسيدات، من مختلف المستويات، ممن آمنوا بقيم العمل والتعاون والإنتاج والتربية والتعليم والبحث العلمى. ربما من هنا تبرز الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بتشجيع ثقافة المبادرة وتنمية روح الإقدام فى نفوس الأطفال والنشء والشباب، وتعظيم التوجه نحو ريادة الأعمال، من خلال مؤسسة الأسرة، والمؤسسات الدينية المُتمثلة فى الجوامع والكنائس، والمؤسسات التعليمية حيث الحضانات والمدارس والجامعات، والمؤسسات الرياضية من مراكز الشباب والأندية، والمؤسسات الثقافية والفنية والصحفية والإعلامية، وأنشطة المجتمع المدنى. أثق أن القراء سوف يضيفون عشرات الأسماء وعشرات المبادرات، لأن مصر عظيمة وغنية وولادة، وعلينا أن نقرأ تاريخ هؤلاء الرواد والرموز، ونستفيد من مسيرتهم فى بناء الإنسان فى الحاضر والمستقبل.
نقلا عن المصرى اليوم