كمال زاخر يسأل: كيف حُفِر كهفنا؟ من انقطاع المعرفة إلى احتكار تدبير الكنيسة
يضع الأستاذ كمال زاخر في هذا المقال يده على جذور أزمةٍ لم تولد اليوم، بل تراكمت عبر انقطاعات معرفية وتحولات مؤسسية ممتدة.
وهو لا يكتفي بوصف مظاهر الخلل، بل يتتبع مساره من اللغة والتعليم والرهبنة إلى احتكار التدبير الكنسي وتراجع دور العلمانيين.

وقد نتفق معه في بعض أحكامه أو نختلف، لكن الأسئلة التي يطرحها تظل جديرة بنقاش جاد لا تحكمه الاصطفافات المسبقة.
فالإصلاح لا يبدأ بالدفاع عن الصور الموروثة، بل بامتلاك الشجاعة لفحصها تاريخيًا ونقدها مؤسسيًا.
————————————————————————————

اللحظة التي نعيشها ليست بنت اليوم أو الأمس القريب، وحدهما، بل هي نتاج اختلالات بنيوية منذ بدايات سعي الخروج من كهف عصورنا الوسطى، الذي شكّلته عوامل داخلية وأخرى خارجية.

ففي الداخل كانت الانقطاعات المعرفية المتوالية مع الجذور سببًا رئيسيًا في حفر كهفنا، بعد هجرنا اللغة اليونانية، لغة اللاهوت القادرة على ضبط مصطلحاته بتدقيق، واستبدالها بالقبطية، اللغة العامية، ثم في مرحلة لاحقة هجرناها قسرًا إلى العربية، التي لم تستطع أن تستوعب دقائق اللاهوت، وقدمت لنا محاولات غائمة تفتقر إلى العمق الذي حفظته يونانية الآباء، فيما كانت الكنائس التي احتفظت بتواصلها معها تواصل المراكمة على منتجها اللاهوتي.

أما الخارج فكان يشهد حالة من جنون استهداف المسيحية، وكانت مصر في صدارة الاستهداف، الذي توحش في الحقبة العثمانية، والتي لم تكتفِ بهذا، بل أخذتنا كلنا إلى غياهب الخرافة والجهل. فانهزم العقل وسادت الخرافات.

كانت البدايات مع البابا كيرلس الرابع والبابا كيرلس الخامس تبشر بإعادة بناء ما تهدم ووصل ما انقطع، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهي السفن، فتعثرت مشاريعهما التعليمية. وعندما جاء البابا يوساب بمشروعه، وُوجه بمقاومة شديدة الحدة؛ كانت الريبة تحكم أذهان مقاوميه، فهو الباحث الذي ذهب راهبًا إلى اليونان وتعمق في دراساته اللاهوتية، وعاد ومعه رؤية ترجمها في دعم مدرسة الرهبان والإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية. ولكن تواصله مع اليونان خلق تصورًا بأنه في طريقه إلى الوحدة معهم والتنكر لعقائد كنيسته، فكان محل استهداف أربع جماعات حاصرته، على غير اتفاق:

* جماعة الأمة القبطية، وقصتها معه معروفة.
* جماعة مدارس الأحد، وتوظيف مجلتها في الهجوم عليه.
* مجمع الأساقفة، الذي تصادم معه ثم أقاله، ليموت وحيدًا في غرفة بالمستشفى القبطي.
* ثم الدولة، التي انتبهت إلى مشروعه الذي يسعى إلى مأسسة الكنيسة، ويمكن أن ينتهي إلى دور فاعل للأقباط في الشأن العام.

وعلى الرغم من الدور المؤسس للنهضة الذي للبابا كيرلس، إلا أنه أصر على إغلاق مدرسة حلوان اللاهوتية، والتي كانت المرحلة الوسيطة بين الخدمة الديرية والخدمة في العالم، وهي التي تُعِدّ الرهبان لتولي مهام الأسقفية، لاهوتيًا وإداريًا وعلميًا وتدريبيًا، وفق برامج دراسية محددة، إضافة إلى تأسيسه لتوجه رهبنة الفضاء العام، عبر نقل منهجهم شيئًا فشيئًا لكنائس الكرازة خارج الأديرة.

وجاء البابا شنودة ليحدث طفرة تعليمية، ويتواصل بشكل مباشر وفاعل مع الرعية، امتدادًا لمنهجه وهو بعدُ أسقفٌ للتعليم، لكنه لم يفسح مساحة لرفقاء مسيرته، وتماهى مع الكيان، حتى صار المرجع الأوحد للتعليم، رغم تعدد المدارس التعليمية التي تتميز بها كنيستنا، واعتبار كل اختلاف معه هو اختلاف مع الكنيسة.

وبالتدريج ضاقت الأرض على العلمانيين في تدبير الكنيسة، كمنهج مستقر فيها منذ كنيسة الرسل! وانفرد الإكليروس بتدبير الكنيسة، وصار الأسقف والكاهن، بدرجات متفاوتة، المهندس والمقاول والسياسي والقانوني، وكانت النتائج صعبة ومتفاقمة.

إذا كنا نبحث عن مخارج، فالبداية:
* عند الرهبنة، لتعود إلى نذورها، وترفع يدها عن توجيه الكنيسة وصبغها بصبغتها.
* وعند الإكليريكية، لتعود مؤسسة أكاديمية وفق القواعد العلمية المستقرة.
* وعند عودة التكامل بين الإكليروس والعلمانيين.
* وعند أنسنة الإكليروس.
كمال زاخر