(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
اليوم، في الـ16 من سبتمبر/أيلول للعام الجاري (2026)، أصدرتْ دوائر ثلاث فاتيكانيّة، تابعات بدورهنَّ للكوريا الرومانيّة بالفاتيكان: "دائرةُ عقيدة الإيمان"، و"دائرةُ تعزيز الوَحدة بين المسيحيّين"، و"دائرةُ الحوار بين الأديان"، وثيقةً أو ملاحظة جديدة بعنوان «طريق الرجاء». وقد جاءتْ هذه الملاحظة الجديدة بمناسبة مرور ستين عامًا على الحوار والأخوّة بين الأديان في ضوء «بيان "نوسترا إيتاتي" ("في عصرنا")»، الصادر عن المجمع الفاتيكانيّ الثاني بعام 1965.
[https://www.vatican.va/.../rc_ddf_doc_20260916_nota...].
أوّلًا: مرورُ ستين عامًا على إصدار «بيان "في عصرنا"»
في الـ28 من أكتوبر/تشرين الأوّل لعام 1965، نُشِر «بيان "نوسترا إيتاتي" ("في عصرنا")»، إحدى وثائق المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني المهمّة حول "علاقة الكنيسة بالدّيانات غير المسيحيّة". ففي إطار الحوار بين الأديان، يُعَدُّ هذا المرسومُ بمثابة تأسيسٍ جديدٍ لعلاقات الكنيسة الكاثوليكيّة مع مؤمني الأديان الأُخرى، ولا سيّما اليهود والمسلمين والبوذيّين والهندوس وغيرهم من أتْباع الدّيانات غير المسيحيّة.
بالنّسبة لموقف الكنيسة الكاثوليكيّة تجاه المسلمين والإسلام و"إله الإسلام"، قد أكّد «بيان "في عصرنا"» على ما يلي: «تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأحد، الحي، القيّوم، الرحمن القدير، فاطر السماوات والأرض الذي كلّم الناس. إنهم يجتهدون في التسليم بكلّ نفوسهم لأحكام الله وإن خفيت مقاصده، كما سلّم الله إبراهيم الذي يفخر الدين الإسلامي بالانتساب إليه. وبرغم أنهم لا يعترفون بيسوع إلهًا فإنهم يكرّمونه نبيًّا ويكرّمون أمّه العذراء مريم ويذكرونها في خشوع. ثُمَّ إنهم ينتظرون يوم الدين الذي يجازي الله فيه جميع الناس عندما يبعثون أحياء، من أجل هذا يقدّرون الحياة الأدبيّة ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم. ولئن كان عبر الزمان قد وقعت منازعات وعداوات بين المسيحيّين والمسلمين، فإن المجمع يهيب بالجميع أن ينسوا الماضي، وأن يجعلوا، باجتهاد صادق، سبيلًا للتفاهم فيما بينهم، وأن يتماسكوا، من أجل جميع الناس، على حماية وتعزيز العدالة الاجتماعيّة والقيم الأدبيّة والسلام والحرية» (بند 3).
وأمَّا فيما يتعلّق بتُهْمَة "قَتْل الإله" (أي صَلْب يسوع المسيح مِن قِبَل بعض اليهود في القرن الأوّل الميلاديّ)، أوضح مرسوم "في عصرنا" ما يلي: «وأن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرّضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، إلى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود اليوم. وإن تكن الكنيسة شعب الله الجديد، يجب مع ذلك ألّا يُنظر إلى اليهود كمَن رذلهم الله ولعنهم، كما لو كان ذلك ناتجًا من الكُتب المقدَّسة. فليحرص الجميع إذًا في التعليم المسيحيّ وفي الوعظ بكلام الله على ألّا يعلّموا شيئًا لا يتلاءم مع الحقيقة الإنجيليّة ومع روح المسيح. علاوة على ذلك، أن الكنيسة التي تشجب الاضطهادات كلّها ضدّ الناس أيًّا كانوا، تتأسّف للبغضاء وللاضطهادات ولكلّ مظاهر مقاومة الساميّة التي استهدفت اليهود في أيّ زمن كان وأيًّا كان مقترفوها. والكنيسة لا تدفعها في ذلك الدوافع السياسية بل محبّة الإنجيل الدينية متذكّرة التراث المشترك مع اليهود» (بند 4).
أثناء زيارته الرّسوليّة التّاريخيّة إلى تركيّا، العام الماضي (2025)، قد ذكّر البابا لاوُن الرَّابع عشر، ومعه البطريرك الأرثوذكسيّ البيزنطيّ برثلماوس الأوّل، في نصّ "الإعلان المُشترك" بينهما، بأهمّيّة «بيان "في عصرنا"»، فقالا:
«ونرفض بشكل خاصّ أيّ استخدام للدّين أو لاسم الله لتبرير العنف. ونؤمن بأنّ الحوار الأصيل بين الأديان، بعيدًا عن أن يكون سببًا للتوفيقيّة والإلتباس، هو أساسيّ للعيش معًا بين الشّعوب ذات التّقاليد والثّقافات المختلفة. وإذ نستذكر الذّكرى الستّين لإعلان الوثيقة "في عَصرِنا - Nostra aetate"، ندعو جميع الرّجال والنّساء ذوي النّوايا الحسنة إلى أن يعملوا معًا لبناء عالم فيه مزيد من العدل والتّضامن، والاعتناء بالخليقة التي ائتمننا الله عليها. وبهذه الطّريقة فقط يمكن للعائلة البشريّة أن تتخطّى اللامبالاة، والرّغبة في السّيطرة، والجشع في الرّبح، والخوف المحتّم من الآخر».
ثانيًا: «ملاحظة "طريق الرجاء"»
لقد جاءتْ الملاحظةُ الجديدة «طريق الرجاء»، في 60 بندًا، و95 حاشية. وإضافةً لمقدّمةٍ (بنود 1-15) وخاتمةٍ (57-60)، تحتوي هذه الوثيقةُ على أقسامٍ رئيسيّة ثلاثة (بنود 16-56)، كما يلي:
1. تطوّرات ما بعد المجمع [الفاتيكانيّ الثاني]: استمراريّةٌ أثرتها الباباواتُ اللاحقون (بنود 16-36)؛
2. ثمار وتحدّيات «بيان "نوسترا إيتاتي" ("في عصرنا")» اليوم (بنود 37-51)؛
3. آفاق وتوجّهات من أجل مستقبل الحوار بين الأديان (بنود 52-56).
وبإيجازٍ، تتمحور هذه الملاحظةُ الجديدة حول "الحوار بين الأديان"، وتطوّراته، واستمراريّته، وثماره، وتحدّيات، وآفاقه، وتوجّهاته. فتهدف الوثيقةُ الجديدة إلى التعمّق في بضعة قناعاتِ الكنيسة الكاثوليكيّة المستديمة، وكذلك تعزيز مغامرة الحوار بين الأديان، ولا سيّما ذاك الحوار الذي شرعتْ فيه الكنيسةُ الكاثوليكيّة على نحوٍ مستمرّ منذ انعقاد المجمع الفاتيكانيّ الثاني.
ولعلّ من ضِمْن المحاور التعليميّة المهمّة التي جاءتْ في هذه الملاحظة الجديدة، نجد ما يلي:
1. ثمّة خصوصيّةٌ وأهمّيّةٌ للحوار مع الشعب اليهوديّ، "آبائنا في الإيمان"، وهما مرتبطتان بالمعنى الثيولوجيّ (نسبةً إلى عِلم اللاهوت) لعهد الله القائم مع الشعب اليهوديّ (رُومة 9-11)، وبالعلاقة الفريدة بين المسيحيّة واليهوديّة. ومع ذلك، تؤكّد الوثيقة، على أنّه، بالنسبة لنا نحن المسيحيّين، ليس هنالك طريقان للخلاص (واحدٌ لليهود واحدٌ للمسيحيّين)، ولا أنّ العهد مع الشعب اليهوديّ يتوازى مع طريق الخلاص المسيحيّ. فالكنيسة تُعلّم أنّ المسيح هو الفادي الأوحد (بنود 10-15).
2. توجد استمراريّةٌ واضحة بين إرث المجمع الفاتيكانيّ الثاني وتعاليم باباوات الكنيسة الكاثوليكيّة اللاحقين (بولس السادس، يوحنّا بولس الثاني، بنديكُتس السادس عشر، فرنسيس، لاوُن الرابع عشر)، فيما يتعلق بـ"الحوار بين الأديان" وأهمّيّته (بنود 16-36).
3. لا يمكن لأحدٍ إنكار ثمار "الحوار بين الأديان" وتحدّياته في آنٍ واحد. فبالرغم من صعوبات هذا الحوار، قد باتتْ ثمارُه واضحةً للعيان في العلاقات مع اليهوديّة، وفي الحوار مع الإسلام والأديان الأخرى. فإضافةً إلى الحوار على مستوى المعتقدات الدينيّة، وشرح المذاهب أو مقارنة الرؤى المختلفة للعالم، يوجد تعاونٌ عمليّ بين أَتْباع الأديان المتنوعة (بنود 37-51).
4. ترفض الملاحظةُ الجديدة بشكلٍ قاطع أيَّ استخدامٍ للدّين أو لاسم الله لتبرير العنف؛ فلا توجد علاقة حتميّة بين الأديان والعنف (بنود 14؛ 23؛ 24؛ 33؛ 36؛ 43؛ 45؛ 54).
5. إنّ "الحوار بين الأديان" لا يتعلّق بأيّ حالٍ من الأحوال بـ"تأسيس دين عالميّ عظيم تنبثق منه جميع المعتقدات"؛ وإنّما يتعلّق الأمر بـ"بناء مجتمعٍ أخويّ قادر على تقبُّل الاختلافات. إنّ هذه النيّة لهي جوهرُ الحوار بين الأديان" (بند 53).





