بقلم الأب يسطس الأورشليمى
في الإصحاح الثالث من سفر دانيال تحدث الله مع نبوخذنصر خلال لغة الأحلام التي يُؤمن بها، وانزعجت رُوحه وقام دانيال بتفسيره له محذراً إياه من الكبرياء، إذ صار كرأس ذهبي لتمثال معدني ينتهي بالتحطيم، وخرّ الملك أمام دانيال وشهد لله إله الآلهة ورّب الملُوك (دا46:2)، لكن سرعان ما نسى الملك هذا كُله، وأقام تمثالاً من المعدن المطلي بطبقة من الذهب، وطلب أن يسجد الكُل له، وإلا تعرض الممتنعُون لحرقهُم في أتُون نار متقدة (دا6:3)..
كان قلب نبوخذنصر أشبه بالأرض المملُوءة أشُواكاً، فقد سمع تفسير الحُلم بواسطة دانيال ومجد الله، وقدم دانيال على جميع حكماء بابل، وعين أصدقاءه، ومع هذا سرعان ما خنق الشُوك الكلمة..
أولاً: إقـــــــــــــــــــــــــــــامة تمثال ذهب..
ثانياً: شـكوى ضد الثلاثة فتية..
ثالثاً: حــــــــــــوار مع نبوخذنصر..
رابعاً: الفتية الثلاثة في الأتُون..
خامساً: خـلاص الفتية الثلاثة..
سادساً: تــــــــــسبحة الثلاثة فتية..
يرى البعض أن نبوخذنصر أراد أن يُزيل أثر الحُلم على الشعب في كُل مملكته، إذ شعر أن كثيرين مجدُوا إله إسرائيل، لذلك أقام هذا التمثال ليشغل أذهان الناس وأراد تأليه ذاته، فإن كان قد اتضع إلى حين أمام دانيال النبيّ، سرعان ما أثار فيه حُب المجد الباطل والكبرياء..
ربما خشي الملك بعد انتشار موضُوع حلمه أن يُثير اليهُود الأمم ألاّ يعبدُوا آلهة الملك، لذا أقام هذا التمثال كاختبار لكُل الشعُوب التي سباها إن كانت خاضعة له ولعبادته أم لا، ونصبه في سهل دورا..
كانت أبعاد التمثال تُشير إلى النقص (1-7)، ونحنُ نعلم أن رقم (7) يُشير إلى الكمال، بينما رقم (8) يُشير إلى تعدي الزمن، وقام المسيح في اليوم الأول من الأسبُوع الجديد، أو الثامن من الأسبُوع السابق، أما رقم (6) فيُشير إلى النقص، لهذا فإن اسم الدجال (رؤ13:13-18)، أي النقص الأكيد، والتمثال طوله ستُون ذراعاً، وعرضه ست أذرع..
استخدم نبوخذنصر كُل وسيلة لكي يتعبد الكُل لتمثاله، استخدم الجيش مع العظماء يتقدمُون الصفُوف لكي يرهب عامة الشعب، كما استخدم كُل أنواع المُوسيقى في ذلك الحين لإثارة المشاعر، هكذا في كُل جيل يستخدم عدُو الخير كُل وسيلة ليسحبنا إلى التعبد له بوسيلة أو أخرى نحو طريق الخطية، واعتبار الحياة المُقدسة حياة عصيان على المجتمع..
سجدت الشعُوب للتمثال، ليس برُوح التقوى وإنما بناء على أمر الملك، الذي هدّد بالتعذيب حيثُ يلقى العصاة في أتُون نارٍ، وتحدث الأشرار بتملقٍ ورياءٍ مع الملك، ناسبين للفتية الأمناء الأتقياء الجحُود والعصيان والتمرد للملك، أما الفتيان فتعلمُوا الطاعة لله (أع29:5)..
يلاحظ هُنا: أنه استخدام بعض آلات موسيقية يُونانية، فقد أثرت الثقافة اليُونانية على المنطقة بانتشار التجار، ووجُود بعض المستعمرات اليُونانية كان هذا قبل قيام الإمبراطُورية اليُونانية مباشرة..
واضح من النص أن تحركات الفتية الثلاثة كانت تحت رقابة شديدة، خاصة بعد صدُور الأمر بالتعبد للتمثال، ربما بعض مشيري الملك أخبرُوه بأن هُؤلاء الغريبي الجنس لا يشتركُون مع بقية رجال القصر في الطقُوس الدينية البابلية، هُؤلاء الذين رفعهُم الملك من العبُودية لاحتلال مراكز كبيرة في الدولة، فبسبب الحسد وُجه الاتهام لهُم بالعصيان..
لا نعجب إن تقدم الكلدانيُون الذين أنقذهُم دانيال، ورفقاؤه الثلاثة من موت محقّق، إلى الملك يشتكُون مَن خلّصهُم لكي يلقي بالثلاثة فتية في أتُون النار، وهكذا يردُون لهُم الحُب بالكراهية، والإحسان بالحسد، والرغبة في التخلّص منهُم، فالجحُود هُو طبيعة الإنسان الساقطة، والاضطهاد هي سمة الأشرار، يُضايقُون الأبرار بلا أي سبب يذكر..
ليس شيء يُثير أصحاب السلاطين مثل الشعُور بأن سُلطانهُم مُحتقر، يطلبُون طاعة الكُل لأوامرهُم حتى وإن كانت غير عادلة، ما يشغله ليس السجُود للتمثال أم عدمه بل تحديهُم له، لهذا سخر بإلههم وإنه لا يقدر أن يُخلّصهُم من يده، فالطاعة للملُوك في كُل شيء ما عدا ما يمس الإيمان، هُؤلاء الذين كانُوا مطيعين لنبُوخذنصر في الأمُور الأخرى، وبكُل إصرار رفضُوا تكريم التمثال عن الطاعة لله..
كان يمكن أن يجدُوا لهُم أعذاراً يبرّرُون:
أولاً: كانُوا صغاراً في السن، ومسبيّين..
ثانياً: كانـُوا تحـــــــت سُلطان ملكٍ عنيف..
ثالثاً: كان الملك صاحب سُلطان مُطلق..
رابعاً: عبد سلفاؤهُم في أورشليم وكُل يهُوذا وإسرائيل الأوثان حتى في داخل هيكل الرّب عينه كما جاء في إرميا، ودُون ضغط خارجي بينما أصر هُؤلاء الغرباء، ألاّ يسجدُوا لتمثال في أرض غريبة..
خامساً: برفضهُم السجُود للأوثان يتعرضُون للموت، فيفقدُون كُل فرصة للقيام بأي دُور للعمل لحساب شعبهُم، أما هُم فبرُوح الإيمان، وثقُوا في الله الذي يعمل لخيرهُم، وقادر أن ينقذهُم إن شاء ذلك..
في الحوار تحدى الملك نبوخذنصر إلههم، أما هُم فتحدُوا الموت من أجل أمانتهُم لله، لقد آمنُوا أن إلههم قادر أن يُخلّصهُم، وإن لم يُخلّصهُم من النار الزمنية فلا يعني هذا خيانتهُم له، فإن سمح لهُم بالموت يقبلُون ذلك بشجاعة، مُقدمين حياتهم ذبيحة حُب لله إلههم..
بهذا يُحسب هُؤلاء الفتية شهداء، لأنهُم شهدُوا للحقّ الإلهي، مُقدمين حياتهُم ثمناً للشهادة، بغض النظر إن كانُوا يُقتلُون أو ينقذهُم الله من الموت، فالاستشهاد لا يتحقّق بوسيلة الموت، وإنما بحالة المُؤمن:
(1) الإيمان بالله كحافظ لحياتنا، وقائدها إلى حيثُ يُريد..
(2) انفتاح باب السماء أمام أعيننا لنرى المجد المُعد لنا..
بتطلعهُم إلى النار الأبدية لم يخافُوا النار الزمنية ولا رهبُوا الموت، القُوا في الأتُون من الفوهة العليا، فماذا فعلت بهُم النيران؟!
ظهر كلمة الله الذي في داخلهُم ليحتضنهُم ويحميهُم..
حلت النيران القيُود، ولم تستطع أن تمس شعره منهُم..
اعترف الملك بإلههم المُخلص لمُؤمنيه، وكرّمهُم الملك..
كان للأتُون باب جانبي، وقف عنده الملك من بعيد ليراهُم وهُم يلقُون، الواحد تلو الآخر، وينظرهُم وهُم يحترقُون، فماذا رأى؟!
أولاً: زكتهُم ونقتهُم النيران في عيني الله وعيني الملك..
ثانياً: حـلــــت النيران القيُود ولم تُؤثر على ثياب الفتية..
ثالثاً: مـات بعض من الجند بينما كان الفتية يتمشُون..
رابعاً: تـحـــــــولت النيران إلى ندى، ناداهم ليخرجُوا إليه..
لم يخرج الفتية من الأتُون بل كانُوا يتمشُون، حتى صدر لهُم الأمر من الملك، إنهُم مطيعُون له في الرّب، وعرف الكلدانيُون قصة إلقاء الثلاثة فتية في الأتُون، وصارُوا شهادة حّية في ولاية بابل أمام الكُل: عن الله مُخلّص أتقيائه، وقُوة الالتجاء إليه، لكن ماذا فعل الملك؟!
اجتمع العظماء مع الملك الذي أصدر قراره بإبادة كُل من يقف ضد إله الثلاثة فتية، مُقدماً لهُم كرامات زمنية، لكنه لم يشجب العبادة الوثنية ولا تخلى عنها، لقد خلط بين تكريمه لله الحيّ وبين العبادة الوثنية، لم يهتم أن يسأل عن الذي كان مع الفتية، ليرتبط ويتمتع به..





