القمص يوحنا نصيف
    يشرح لنا القدّيس لوقا في إنجيله (لو22: 63-71)، تفاصيل الاستهزاء بالمسيح بواسطة الجند واليهود، مع المحاكمة الشرّيرة التي أقاموها له، ويعلّق القدّيس كيرلّس على هذه الأحداث فيقول:

    + ليَقُلْ النبيّ إرميا هنا أيضًا عن جنس إسرائيل: "يا ليت رأسي ماء، وعينيّ ينبوع دموع فأبكي نهارًا وليلًا لأجل هذا الشعب" (إر9: 1 سبعينيّة). أيّ نواحٍ يُمكِن أن يَكفِي لأجل أولئك الذين سقطوا في هوّة الهلاك بسبب تصرّفهم الشرّير ضدّ المسيح، وبسبب جرمهم العظيم جدًّا.. إنّهم عاملوه بغطرسة، وبِشَرِّهم جعلوه تسلية لهم، بل إنّهم أيضًا تجرّأوا أن يضربوه.. وهو بصبرٍ يحتمل الضربات، ويخضع لسخرية الأشرار، ويعطينا نفسه مثالًا كاملًا لطول الأناة، أو بالأحرى يُظهِر لطفه الإلهي الذي لا يُقارَن في عظمته.

    + اجتمع مجمعهم الشرّير في الفجر.. أحضروه في الوسَط وسألوه إن كان هو المسيح؟ يا أيّها الفرّيسيّ عديم الفهم.. أخبرني لماذا تسأله وتريد أن تَعلَم منه إن كان هو المسيح؟ إنّه من السهل للغاية أن تحصل على معرفة عنه من الناموس والأنبياء!

    + فَتِّش في كُتُب موسى فسوف تراه موصوفًا بطُرُقٍ متنوّعة؛ إنّه ذُبِحَ كحَمَلٍ وقَهَرَ المُهلِك بدمه.. افحَص كتابات الأنبياء.. إنّهم يقولون: "حينئذٍ تتفتَّح عيون العُمي، وآذان الصُّم سوف تَسمَع، حينئذٍ يَقفِز الأعرج كالأيّل، ولسان الخُرس يُصبِح مستقيمًا" (إش35: 5س)، "وأيضًا الموتى يقومون والذين في القبور يستيقِظون، لأنّ طَلّك يشفيهم" (إش26: 19س).

    + لذلك إن كنتم أنتم أنفسكم ترون أن تحقيق النبوءات يتمّ بوضوح بخصوصه، فلماذا لا تعترفون به بالحريّ بسبب معجزاته الإلهيّة التي تَشهَد له، وبسبب أعماله فائقة الوصف؟

    + المغبوط يوحنّا البشير يكتب أنّه كان عيد التجديد في أورشليم وكان شتاء، وكان يسوع يتمشّى في رواق سليمان، فاحتاط به اليهود وقالوا له: إلى متى تُعَلِّق أنفسنا؟ إن كنتَ أنت المسيح فقُل لنا جهرًا. فأجابهم يسوع: إنّي قلتُ لكم ولستم تؤمنون.. الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي، ولكنّكم لستم تؤمنون (يو10: 22-26).

    + ولكي يجعل دينونتهم أكثر قساوة، أقصِد فيما يتعلّق برفضهم الإيمان به، فإنّه يضَع مجده أمامهم بوضوح ويقول: "منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوّة الله". وكأنّه يقول: عندما كنتُ في الشكل مثلكم، مع أنّني بالطبيعة والحقّ ابن الله الآب، فأنتم لم تقدّموا لي أيّ اعتبار.. ألَم تَكُن تنبّؤات الأنبياء القدّيسين معروفة لديكم؟!.. إنّني أخبركم بالضرورة أنّه سوف تُمنَح لكم فرصة قصيرة جدًّا لكبريائكم وخبثكم ضدّي، أي إلى وقت صلبي. لأنّه بعد هذا مباشرةً سوف ألتَحِف بالكرامة، وأصعَد إلى المجد الذي كان لي منذ البدء. بل وحتّى وأنا متجسِّد فأنا مُشتَرِكٌ مع الله الآب في عرشه، وأملِكُ كلّ سلطان على الجميع، رغم أنّي لبستُ شبهكم.

    + كان يجب أن تَعلَموا جيِّدًا أنّه هو المسيح؛ وأنّه سوف يدلّكم على الطريق إلى الإيمان، وتكونون من بين أولئك الذين يعرِفون الحقّ. أمّا هم فإنّهم لم يفهموا، بل بحماقة قتلوه.. مُزدَرِينَ بالشريعة كلّها، متغاضين تمامًا عن الأوامر الإلهيّة، لأنّه مكتوب: "البريء والبار لا تقتلوه" (خر23: 7س).

    + لقد اندفعوا إلى أسفَل كما لو كانوا ينزلون في منحدَرٍ شديد، ليَسقطوا في أشراك الهلاك. كان هذا هو سلوكهم، وأمّا نحن فنُقَدِّم تسابيحنا لله الكلمة الذي صار إنسانًا لأجل خلاصنا.

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 150) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]

القمص يوحنا نصيف