محرر الاقباط متحدون
الكاردينال لويس روفائيل ساكو - أتناول في هذا المقال، موضوع المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة.
وأرى اختزال الإنسان في جسده أو في جنسه يُفقد النظرة الوجودية والمسيحية إلى الإنسان ببعده الشامل. فالجسد جزء أساسي من هوية الإنسان ووجوده، والجنس بُعد من أبعاد الحياة الإنسانية، لكنه لا يختزل كيانه. فالإنسان أكبر من جسده ومن جنسه؛ إنه كائن انساني وروحي وأخلاقي واجتماعي.
المفهوم المسيحي يؤكد أن الرجال والنساء يشتركون في الجوهر ذاته، والطبيعة الإنسانية الواحدة كما جاء في الكتاب المقدس (التكوين1/27) ويتشاركون في الإيمان الواحد. ويرى مار بولس ان الحبّ بين الرجل والمرأة في سرّ الزواج يرمز في بعده الروحي، إلى العلاقة بين المسيح والكنيسة (أفسس 5/32).
من هذا المنطلق، لا يمكن اختزال الإنسان في جسده أو في جنسه، لا يشكّل الجنس كلّ كيانه. والدليل على ذلك أن في الكنيسة رجالًا ونساءً مكرسين للرب، كما أن في المجتمع يوجد أشخاصٌ اختاروا عدم الزواج، مكرسين حياتهم لرسالة إنسانية سامية تتجاوز إطار العلاقة الزوجية.
وعليه، فإن الرجل والمرأة'>المساواة بين الرجل والمرأة لا تعني إلغاء الاختلاف بينهما، بل الاعتراف بكرامة كلّ منهما وبمساواتهما في الحقوق والواجبات، وبقدرتهما على بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والشراكة والتكامل، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو التمييزاو ممارسة العنف. لا غنى عن المساواة للعيش بسلام ووئام وتعاون.
أولًا: المرأة لغةً وإنسانًا
لغويًا، تُستعمل كلمة «المرأة» في العربية للدلالة على الأنثى البالغة، وهي مرتبطة في أصلها اللغوي بكلمة «امرؤ» للذكر و«امرأة» للأنثى.
وفي العبرية الكتابية، تُستعمل كلمة «إيشّا» (אִשָּׁה – Isha) للدلالة على المرأة، وهي مرتبطة لفظيًا بكلمة «إيش» (אִישׁ – Ish) التي تعني الإنسان. قد يكو ن الجذر ينحدر من الارامية السريانية وبعض النصوص كتبت في بابل اثناء السبي، مثلا ناش ܐܢ̃ܫ انسان او ܐܢܬܬܐ انثى!
وفي العربية نستعمل عمومًا «السيد» و«السيدة»، وفي السريانية الكلدانية يُقابلها مارا – مارتا ܡܪܐ – ܡܪܬܐ في سياق التكريم والاحترام.
هذا الترابط اللغوي يُعبّر عن العلاقة بين الرجل والمرأة ووحدتهما في الطبيعة الإنسانية.
ويؤكد سفر التكوين أن كليهما مخلوق على صورة الله: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنسانَ عَلَى صُورَتِهِ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ، وَقَالَ لَهُمْ: انْمُوا وَاكْثُرُوا وَامْلَأُوا الأَرْضَ. וַיִּבְרָ֨א אֱלֹהִ֤ים ׀ אֶת־הָֽאָדָם֙ בְּצַלְמ֔וֹ בְּצֶ֥לֶם אֱלֹהִ֖ים בָּרָ֣א אֹת֑וֹ זָכָ֥ר וּנְקֵבָ֖ה בָּרָ֥א אֹתָֽם׃ " (تكوين 1: 27-28).
إذن، اختلاف الجنس بين الرجل والمرأة لا يعني اختلافًا في القيمة الإنسانية أو الكرامة، بل هو اختلاف في الطبيعة والوظائف الجسدية، ويمكن أن يكون أساسًا للتكامل والتناغم والشراكة.
إن كون المرأة أنثى ليس انتقاصًا منها، كما أن كون الرجل ذكرًا لا يجعله أرقى منها؛ فالاختلاف بينهما لا يعني التفاضل في الكرامة الإنسانية، وإنما يمكن أن يكونَ مصدرًا للتكامل والتعاون. عن هذه العلاقة الحميمة المتوازنة يتغنى سفر نشيد الأناشيد من العهد القديم.
ثانيًا: اختلاف الوظائف لا يعني اختلاف القيمة
قد تختلف الوظائف والأدوار بين الأشخاص، لكن القيمة الإنسانية والكرامة الأساسية واحدة؛ فليس هناك إنسان أعلى قيمة من إنسان آخر بسبب جنسه.
لقد ارتبطت تبعية المرأة، عبر مراحل التاريخ، بعوامل متعددة، منها العوامل الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، إضافة إلى الأعراف السائدة في المجتمعات المتخلفة التي حوّلت المجتمع الى ذكوري.
الوظائف مختلفة، لكن القيمة الإنسانية هي عينها، لذا نجد في الكتاب المقدس عدداً من النسوة القياديات والمقتدرات. أذكر على سبيل المثال لا الحصر: حواء، سارة، رفقة، راحيل، مريم أخت موسى، دبورة، استير، يهوديت، راحاب الخ.. وفي العهد الجديد مريم أم يسوع والنسوة الملتفات حوله في كرازته: مَريَمُ المَجدَلِيَّة، حِنَّةُ امرَأَةُ كوزى خازِنِ هيرودُس، وسَوسَنَة ومريم ومرثا شقيقتا لعازر وسالومة والدة الرسولين يعقوب ويوحنا، ومريم زوجة كليوبا. ويُشار إليها في التقليد بأنها "خالة الرب يسوع وسوسنة إحدى النساء اللواتي خدمن الرب من أموالهن. ثم مع بولس الرسول نجد بريسكيلا، المبشرة معه في كورنثس وأفسس (رومية 16/ 3-4) فوبية شماسة كنيسة قنخرية ( رومية 16 / 2-1).
ثالثاً: تعدد الزوجات
ترتبط أسباب تعدد الزوجات لدى اليهود والمجتمعات القديمة بجوانب اجتماعية وصحية واقتصادية، لكن ذلك لم يكن، في الأصل، ضمن التصميم الإلهي للزواج القائم على زوج واحد وزوجة واحدة. ففي المجتمعات القديمة كانت النساء يتوفين بسبب عدم الرعاية الصحية التي نعرفها اليوم، كما كانت الحاجة إلى إنجاب عدد كبير من الأبناء مرتبطة بالعمل والدفاع عن العائلة والقبيلة. وكان الأطفال أيضًا يموتون بأعداد كبيرة بسبب عدم توافر وسائل الوقاية والعلاج.
في العقيدة المسيحية، وبصرف النظر عن التعقيدات التي رافقت التطبيق الاجتماعي عبر التاريخ، يقوم الزواج على المساواة في الكرامة بين الرجل والمرأة، وعلى وحدة الزواج. ويقول الكتاب المقدس: «لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا» (متى 19: 5).
وفي السياق المسيحي، لا يُنظر إلى الزواج بوصفه علاقة مالية تقوم على المهر بالمفهوم الموجود في بعض المجتمعات، بل بوصفه عهدًا وشراكة حياة. كما أن المرأة والرجل متساويان في الكرامة الإنسانية، وتقاسم الإرث وإن اختلفت بعض الأحكام القانونية بحسب تقاليد المجتمعات الشرقية.
وعلى الرغم من ذلك، لم تتغير أوضاع المرأة بصورة جوهرية في كثير من المجتمعات عن العصور الوسطى؛ فقد ظلت، في كثير من الأحيان، تابعة للرجل، ويُنظر إلى دورها بصورة أساسية من خلال الإنجاب وإدارة شؤون البيت. ويعزو محللون هذا الواقع في أزمان سابقة الى استغلال الرجل قوته العضلية والجسدية، مما لم يعد كما كان في السابق لوعي المرأة في هذا الشأن ويمكنه معالجته في المجتمعات المتقدمة.
ذلك انه في عصرنا، بدأ هذا الوضع يتغير تدريجيًا، حيث أصبحت المرأة، في معظم دساتير دول العالم، مساوية للرجل أمام القانون، وأصبح بإمكانها أن تتولى مختلف المناصب والمسؤوليات العامة، لأن الانسان يبني نفسه بالعلم والمعرفة والقدرة، من دون اعتبار للجنس ولا للقوة العضلية.
فلقد أصبحت النساء مثقفات ومستنيرات وقياديات؛ فمنهن ملكات ورئيسات الحكومات ووزيرات وأستاذات وعالمات وباحثات مبدعات. ولسن أقل معرفة من الرجال، ولا أقل خبرة وكفاءة، حتى في العلوم الكنسية. فهناك عدد كبير من النساء يحملن شهادة الدكتوراه ودرجة الأستاذية، وبينهن متخصصات في اللاهوت والفلسفة والقانون والأخلاق والليتورجيا وغيرها من العلوم. كما أن عددًا كبيرًا منهن يدرّسن في الجامعات الكاثوليكية والمؤسسات الأكاديمية.
رابعاً: على الكنيسة أن تستفيد من هذه الكفاءات
لا تخسر الكنيسة شيئًا عندما يكون العلماني رجلاً أو امرأة أكثر معرفة من رجل الدين في تخصص معين؛ فالكاهن يبقى محترمًا في رتبته الكهنوتية ومسؤوليته الرعوية ضمن النظام الكنسي الهرمي، بينما يبقى العلماني أو العلمانية متخصصًا في مجاله العلمي والمهني. فالمشاركة الحقيقية في حياة الكنيسة لا تقوم فقط على الرتبة، وإنما أيضًا على الفهم والخبرة والمعرفة، وعلى الإسهام في بناء الرؤية والمشاركة في اتخاذ القرار، كلٌّ بحسب دعوته ومسؤوليته واختصاصه. فالأسقف والكاهن لم يختم العلم وهو بحاجة إلى الآخرين كمعاونين ومستشارين في مجالات يفتقر إلى معرفتها في الأبرشية والخورنة.
ولقد قام البابوات فرنسيس ولاون الرابع عشر بتعيين عدد من النسوة في الدوائر الرومانية.
خلال إدارتي للكنيسة الكلدانية لمدة ثلاثة عشر عامًا، عيّنتُ سيدة كفوءة رئيسةً للدائرة المالية، وأخرى سكرتيرةً للبطريركية حملت نصف شغلنا، وراهبةً عميدةً لكلية اللاهوت، وأخرى مسؤولةً عن المعهد التثقيفي، وأخرى لرئاسة لجنة التعليم المسيحي، وذلك لما امتلكنَه من معرفة وكفاءة وحضور وإخلاص وامانة.




