بقلم نادر شكري 

لم تكن زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني إلى صعيد مصر مجرد جولة رعوية في عدد من الإيبارشيات والكنائس والأديرة، ولم تكن مجرد برنامج حافل بالصلوات والتدشينات واللقاءات؛ فقد حملت الزيارة في تفاصيلها معنى أعمق، هو معنى الأب الذي يذهب إلى أبنائه حيث يعيشون، يتفقد أحوالهم، يصلي معهم، يستمع إليهم، ويفرح بفرحهم، ويترك في كل محطة من محطاته ذكرى لا تنتهي بانتهاء الزيارة.
 
من ملوي إلى البرشا، ومن كوم ماريا وأبو حنس إلى الأديرة والكنائس، بدا المشهد مختلفًا؛ فكلما اقترب موكب البابا من إحدى محطات الزيارة، خرجت الجماهير إلى الطرقات لاستقباله، واصطف أبناء الكنائس على جانبي الطريق، وحمل كثيرون سعف النخيل، فيما وقف آخرون فوق أسطح المنازل وعلى المرتفعات والأشجار، في مشهد يعكس حجم التعلق الشعبي بزيارة بابا الكنيسة، والفرحة بلقائه بعد انتظار.
 
ولم يكن المشهد قبطيًا فقط؛ فقد شارك في الاستقبال عدد من المسؤولين والقيادات التنفيذية والشعبية، إلى جانب شخصيات من أبناء المحافظة من المسلمين والمسيحيين، في صورة بدت فيها الزيارة جزءًا من المشهد المصري العام، لا حدثًا كنسيًا منعزلًا. فالبابا حين يزور أبناءه في قرى ومدن الصعيد، يلتقي في الطريق بمصريين جميعًا، ويجد أمامه مشهدًا يعكس ما ظل الصعيد يحتفظ به من علاقات اجتماعية وروابط إنسانية تتجاوز الانتماءات الدينية.
 
ملوي.. زيارة تدخل ذاكرة المدينة
وتحظى زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني لإيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين بمكانة خاصة في ذاكرة المدينة وأبنائها. فقد حملت الزيارة عددًا من المحطات المهمة، بدءًا من تدشين كنيسة المطرانية، مرورًا بزيارة كنائس دير البرشا، وصولًا إلى مشروع «كوم ماريا» ودير أبو حنس، أحد المواقع المرتبطة بمسار رحلة العائلة المقدسة.
 
وفي كل محطة، لم يكن البابا يكتفي بمتابعة المباني أو تدشين الكنائس، وإنما كان يلتقي الإنسان أولًا؛ الآباء الكهنة، والرهبان، والخدام، والشباب، والأطفال، وكبار السن، وكل من جاء ليقول له ببساطة: «أردنا أن نراك».
 
وهنا تكمن قيمة الزيارة الرعوية؛ فالبابا لا يبقى في القاهرة أو في مقر الكاتدرائية منتظرًا أن يأتي إليه أبناؤه، بل يحمل عصا الراعي وينتقل إليهم في محافظاتهم وقراهم وكنائسهم وأديرتهم، ليتفقد أحوالهم ويشاركهم مناسباتهم ويشجعهم على الاستمرار في طريق الخدمة والإيمان.
 
من الكنيسة إلى الناس
ومن اللافت في زيارات قداسة البابا تواضروس الثاني أنه يحرص على أن تكون الكنيسة قريبة من الناس، وأن يكون اللقاء مباشرًا وبلا حواجز. ولهذا تتحول الزيارة في كثير من الأحيان إلى مناسبة اجتماعية ووطنية يشارك فيها الجميع.
 
وفي صعيد مصر تحديدًا، تكتسب هذه المشاهد خصوصية شديدة؛ فحين تصطف العائلات على الطرقات، ويخرج الأطفال والشباب، ويقف كبار السن انتظارًا للموكب، وتعلو الترانيم والهتافات، بينما يلوح الجميع بسعف النخيل، فإن الصورة تتجاوز كونها استقبالًا لبابا الكنيسة، لتصبح تعبيرًا عن علاقة وجدانية بين راعٍ وأبناء اعتادوا أن يروا في زيارته مناسبة للفرح واللقاء.
 
ولعل أكثر ما يميز مشاهد الزيارة أن الناس لم ينتظروا خلف أبواب الكنائس فقط؛ بل خرجوا إلى الشوارع، ووقفوا في كل مكان يمكن أن يتيح لهم رؤية البابا ولو للحظات. بعضهم حمل الأطفال على أكتافه، وآخرون صعدوا إلى أسطح المنازل، فيما اختار آخرون أماكن مرتفعة ليتمكنوا من متابعة الموكب. إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تقول الكثير عن قيمة اللقاء بالنسبة إلى هؤلاء الناس.
 
زيارة تتجاوز حدود المكان
ولا تتوقف زيارات قداسة البابا عند حدود إيبارشية أو محافظة. فمنذ توليه مسؤولية الكنيسة، حرص على زيارة أبنائه في مختلف أنحاء مصر، كما حمل رسالته الرعوية إلى أبنائه خارج الوطن، في زيارات للكنائس القبطية في عدد من الدول والقارات.
 
فالبابا بالنسبة إلى أبناء الكنيسة في المهجر ليس فقط بطريركًا يقيم في مصر، وإنما أب روحي يأتي إليهم في أماكن إقامتهم، ويزور كنائسهم، ويلتقي أسرهم وشبابهم وأطفالهم، ويطمئن على أحوالهم، ويؤكد لهم أن المسافة لا تلغي الانتماء إلى الكنيسة الأم.
 
وهكذا أصبحت الزيارة البابوية وسيلة للحفاظ على جسور التواصل بين الكنيسة وأبنائها، داخل مصر وخارجها، وبين الأجيال المختلفة، خصوصًا الشباب والأطفال الذين يرون في لقاء البابا مناسبة قريبة ومباشرة للتعبير عن انتمائهم.
 
البابا في الصعيد.. ذاكرة لا تُنسى
أما زيارته الحالية للصعيد، فتبدو مختلفة في حجم ما صاحبها من مشاهد استقبال واحتفاء، وفي عدد المحطات التي جمعت بين الكنائس والأديرة والمشروعات والمواقع المرتبطة بتاريخ المسيحية في مصر.
 
إنها زيارة جمعت بين الماضي والحاضر؛ ففي كوم ماريا وأبو حنس حضرت ذاكرة العائلة المقدسة، وفي الأديرة حضرت ذاكرة الرهبنة والشهادة، وفي الكنائس حضرت الحياة اليومية للكنيسة وأبنائها، وفي الشوارع حضرت مصر بكل مكوناتها وهي تفتح أبوابها لاستقبال البابا.
 
ولهذا يمكن القول إن زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني إلى ملوي لم تكن مجرد زيارة عابرة في جدول رعوي؛ بل كانت حدثًا سيبقى في ذاكرة المدينة، بما حملته من لقاءات وصلوات وتدشينات ومشاهد شعبية، وبما تركته من صور ستظل حاضرة في ذاكرة الذين اصطفوا على الطرقات، وحملوا سعف النخيل، وانتظروا ساعات من أجل لحظة واحدة يرون فيها باباهم وراعيهم.
 
وفي النهاية، ربما تختصر كل هذه المشاهد صورة واحدة: بابا يسير إلى أبنائه، وأبناء يخرجون إلى الطريق لاستقباله. وبين الطريق والكنيسة والدير والقرية والمدينة، تتجسد واحدة من أبسط وأعمق معاني الرعاية: أن يذهب الراعي إلى حيث يوجد أبناؤه، وأن يشعر الأبناء أن راعيهم قريب منهم، يسمعهم ويرى فرحهم ويشاركهم حياتهم.
 
وهكذا تتحول الزيارة من برنامج مكتوب في جدول إلى ذاكرة وطن وذاكرة كنيسة وذاكرة مدينة بأكملها.