خالد منتصر
هل عنوان المقال هو مبالغة؟، هل هو من قبيل تضخيم الأمور؟، صدقونى هو أقل من الحقيقة، نظرية التطور صارت هى عمود خيمة علم الأحياء، بدونها تصبح دراسة البيولوجى عبثا، ويصبح الطبيب والصيدلى وطالب كلية العلوم وكل من له علاقة بهذا العلم من قريب أو بعيد، يعيش حوار طرشان، لذلك فما قرأته وبحثت عنه فى منهج الثانوية العامة المصرية عن نظرية التطور، مثل لى صدمة مرعبة، فالسطور والصفحات القليلة المتناثرة التى تستحى أن تذكر كلمة التطور إلا تقريباً مرة فى المنهج، تمثل إجهاضاً لمعنى العلم أصلاً، لا أريد أن أقول جريمة حتى لا أتهم بالمبالغة، لكنى حزين على تلك الأجيال التى ستخرج إلى الحياة وهى تخاصم أهم نظرية فى علم البيولوجى، وهو ما يمثل عواراً تعليمياً كبيراً، سنعانى منه فى السنوات القادمة، سألنى البعض كثيراً: ما الذى يستفيده طالب فى المرحلة الثانوية من دراسة نظرية التطور؟ وهل يحتاج حقًا إلى كل هذا الجدل.

أم يكفى أن يعرف أن الكائنات تتكيف مع البيئة عن طريق الانتخاب الطبيعى؟ والحقيقة أن هذا السؤال ينطلق غالبًا من تصور مختزل للنظرية، كأنها فصل صغير يحكى قصة القرد والإنسان، بينما تمثل فى الواقع الإطار الذى يجمع فروع البيولوجيا ويمنحها معناها، حاولت أن أبحث عن نسبة التطور فى كتب الدراسة الغربية، وجدت أنه لا توجد نسبة عالمية موحدة تحدد المساحة التى تشغلها نظرية التطور فى مناهج الدول الغربية؛ فالمناهج تختلف بين دولة وأخرى، بل بين الولايات ومجالس الامتحانات داخل الدولة نفسها. ولكن المقارنة تمنحنا صورة تقريبية.

ففى معايير العلوم الأمريكية تنقسم علوم الحياة فى المرحلة الثانوية إلى أربعة محاور كبرى، أحدها كاملًا يحمل عنوان «التطور البيولوجى: الوحدة والتنوع» ويضم هذا المحور ستة معايير للأداء من أصل أربعة وعشرين فى علوم الحياة، أى نحو ٢٥٪ إذا حسبنا المعايير عددياً، فضلًا عن حضور التفكير التطورى داخل أبواب الوراثة والبيئة، وفى منهج Gcse Biology البريطانى نجد سبعة أبواب رئيسية، أحدها «الوراثة والتباين والتطور»، أى ما يعادل نحو ١٤٪ من العناوين الكبرى، وإن لم تكن هذه نسبة رسمية لساعات التدريس أو درجات الامتحان، أما المنهج الأسترالى فيلزم طالب الصف العاشر باستخدام نظرية التطور بالانتخاب الطبيعى لتفسير التنوع الحيوى وتحليل الأدلة المؤيدة لها.

لذلك يمكن القول، بحذر، إن التطور ومفاهيمه المباشرة يشغلان تقريبًا ما بين ١٥ و٢٥٪ من بيولوجيا المرحلة الثانوية، وفق الدولة وطريقة الحساب، لكن لابد أن نفهم أن التطور ليس مجرد الانتخاب الطبيعى والتكيف، فالانتخاب الطبيعى إحدى آليات التطور، وليس النظرية كلها، يدرس الطالب أيضًا الطفرات وإعادة التركيب الجينى بوصفهما مصدرين للتنوع، والانحراف الجينى، وتدفق الجينات بين الجماعات، والانتخاب الجنسى، ونشوء الأنواع الجديدة، والانقراض، والأصل المشترك، وشجرة قرابة الكائنات، كما يتعلم كيف تكشف الحفريات، والتشريح المقارن، والتوزيع الجغرافى، وتشابه الأجنة، والأدلة الجزيئية فى الحمض النووى، التاريخ المشترك للحياة، والتكيف نفسه لا يعنى أن الحيوان شعر بالحاجة إلى صفة فخلقها داخل جسمه ثم ورّثها لأبنائه؛ بل إن أفراد الجماعة يولدون باختلافات وراثية، وتمنح البيئة بعض هذه الاختلافات فرصة أفضل للبقاء والتكاثر، فتزداد عبر الأجيال.

ولا تقول النظرية إن الإنسان انحدر من القردة الموجودة اليوم، بل تقول إن البشر والقردة العليا ينحدرون من أسلاف مشتركة أقدم، كما أنها لا تبحث فى كيفية ظهور الحياة الأولى؛ فهذه قضية أخرى تسمى «نشأة الحياة»، بينما تشرح نظرية التطور كيف تغيرت الكائنات وتنوعت بعد وجود الحياة، أهمية النظرية أنها تحول البيولوجيا من دفتر مزدحم بالأسماء إلى علم مترابط. فالطالب يستطيع أن يحفظ أعضاء الجسم وأسماء الجينات وتصنيفات الكائنات، لكنه من دون التطور لن يفهم لماذا تتشابه الكائنات، ولماذا تختلف، ولماذا تحمل أجسامها أعضاء أثرية وعيوبًا وقيودًا لا تشبه تصميمًا بدأ من الصفر، وللتطور تطبيقات تمس حياتنا مباشرة؛ فهو يفسر مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، وتغير الفيروسات، ومقاومة الحشرات للمبيدات، وهروب بعض الخلايا السرطانية من العلاج، وتطور جهاز المناعة والأمراض الوراثية.

كما يساعد على حماية التنوع الحيوى وتطوير المحاصيل وفهم تأثير تغير المناخ فى الكائنات، إن طالب الثانوية لا يدرس التطور لكى يحفظ رأيًا أو يردد شعارًا، بل لكى يتعلم كيف يقرأ الأدلة، ويقارن بين التفسيرات، ويفرق بين الاعتقاد الشخصى والتفسير العلمى القابل للاختبار. نظرية التطور ليست كل علم البيولوجيا، لكنها الخيط الذى يربط أجزاءه؛ وإذا نزعنا هذا الخيط بقيت المعلومات مبعثرة، وفقد علم الحياة قصته الكبرى ودلالاته المهمة.
نقلا عن المصرى اليوم