أكرم ألفي 
عندما تطور رؤيتك كمطور عقاري للسوق فإنك تحتاج لدراسة الديموجرافيا، ففهم التركيبة السكانية والطبقية هي أساس دراسة سوق العقار في أي مكان في العالم.. في نقاش حول مستقبل أسعار العقارات في أميركا مع تراجع اتدفق المهاجرين توقفت عند تعليق خبير ديموجرافي على حديث أحد رجال الأعمال بقوله "اذهب أدرس ديموجرافيا أولاً يا غبي"!.

إن طرح سؤال مستقبل سوق العقارات في مصر هو نقاش ديموجرافي/ طبقي بالأساس، فبلدنا تناقش سر صعود منصة للمتعثرين عن السداد ورد رجال الأعمال وثقتهم في قوة السوق ولا أحد يتحدث عن الطلب الحقيقي وأساسه البشر أي الديموجرافيا في بلدنا. 

عندما تتحدث عن سوق العقارات في المحروسة فانت تتحدث عن 25.9 مليون أسرة وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بينهم نحو 12 مليون أسرة في المدن.. أي أن مصر حسابياً تحتاج نحو 30 مليون وحدة سكنية في المقابل، فإن البيانات تشير إلى أن عدد الوحدات السكنية يبلغ 43.2 مليون وحدة، وبالتالي من السهل أن تستنتج أن هناك 13 مليون وحدة مغلقة وهو للصدفة نفس الرقم الرسمي للوحدات المغلقة وبالتحديد 12.5 مليون وحدة.

 في بلدنا الطلب على العقار هو قوة شرائية بجانب الديموجرافيا، فنجد أن نحو 20 مليون أسرة تقريباً هو خارج السوق الفعلي للمطورين العقاريين، حيث نجحت الدولة في توفيرالسكن المنخفض التكاليف والسكن الاقتصادي لهذه الاسر أو أنها لديها عقار بالفعل، وهي عائلات منها من انتقل من العشوائيات إلى سكن جديد في تحول مهم لنوع السكن في المحروسة. 

يبقى لدينا سوق حقيقي للسكن المتوسط والفاخر لا يزيد حجمه عن 5 ملايين اسرة، أغلبها اليوم لديها عقار أو أكثر وهي المالكة الحقيقية للعقارات المغلقة في حرص واضح على توفير العقار للانجال وانجال الأنجال. وبالتالي فإن السوق الأكثر نشاطاً يكون العقار الفاخر جداً والذي تمثله نحو 100 ألف أسرة تقريباً في المحروسة هم مالكي اغلب الفلل والعقارات الفاخرة والفلل في المناطق الأكثر فخامة في الساحل الشمالي. 

هذه الصورة تقول إن سوق العقارات في مصر قد تشبع وأنه لا يوجد أي طلب.. 

هنا تحذرك الديموجرافيا فالشيطان يكمن في التفاصيل، فقد استند سوق العقارات في مصر خلال السنوات الخمس الماضية من عدة عوامل ديموجرافية رئيسية أهمها ارتفاع ضخم لعدد العاملين في الخارج والذي تقاطع مع انخفاض حاد لسعر الجنيه المصري، مما دفع كتلة ضخمة للاستثمار أو بمعنى أدق للحفاظ على قيمة الثروة القادمة من الخارج على صورة عقار، وبما أن أغلب المصريين في الخارج يستندون على التحويل الشهري فإن فكرة الأقساط كانت مغرية لرفع الطلب على العقار في المناطق الجديدة و"الكمبوندات".

 وبالتوازي كان معامل استضافة مصر لنحو 9 ملايين من الأجانب أغلبهم من السوريين والسودانيين خلال السنوات الماضية وكتلة مهمة من الضيوف الأجانب ضخت أموالاً في سوق العقارات للحصول على سكن وإقامة في بلدنا. 

إن التأكيد على هذا الطلب تترجمه بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التي تشير إلى أن عدد الوحدات السكنية المنفذة في مصر خلال العام المالي 2024/2025 بلغ 212 ألف وحدة، كانت نسبة الاسكان فوق المتوسط والفاخر منها نحو 30% وهي نسبة أعلى بأضعاف من نسبة أصحاب الدخول المرتفعة بطبيعة الحال. 

إن الطلب المرتفع على الأسكان الفاخر يتجاوز ديموجرافيا مصر إلى الطلب من السوق الخليجي وأحياناً الأوروبي (في الغردقة على سبيل المثال) على العقارات الفاخرة ولكنه يظل طلب له سقف حيث لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يمثل فوق 5% من إجمالي المعروض لسوق السكن الفاخر (وهنا نتحدث عن عدد الوحدات وليس قيمتها الشرائية). 

إجمالاً، فإن سوق الطلب على السكن في بلدنا وصل إلى نقطة اشباع ديموجرافياً، ليبقى هامش المضاربة وهو هامش موجود في أي دولة بالعالم وبالتالي فإن ظهور 6200  وحدة سكنية لاعادة البيع في منصة للمتعثرين وهو لا يعد سبباً للفزع ولكنه دليل على نهاية المضاربة غير محسوبة العواقب لقسم من الطبقة الوسطى. 

ديموجرافياً، مصر تتجه إلى نوع من الاستقرار في الطلب على العقار خاصة مع التراجع الواضح في عدد المواليد، فنحن هنا لا نسير على درب السوق الأميركية في التحليل الديموجرافي للعقار، فعندنا الطلب على العقار يبدأ عقب دخول الطفل المدرسة وليس بعد تخرجه كعادة أبناء الطبقة الوسطى، ومع تراجع المواليد فإن الطلب لتأمين سكن للأبناء سينخفض بالضرورة وهو ما يؤثر سلباً على السوق. 

ويبدو لي أن الاستقرار سينتقل كذلك إلى سوق الأسكان الفاخر، حيث إن أصحاب المعالي من أبناء الـ100 ألف أسرة الغنية جدا في المحروسة أصبحوا في حالة من التشبع في شراء الفلل الفاخرة. وعملية الاستبدال من أجل التظاهر الاجتماعي أصبحت أقل بسبب تراجع نسبي في القدرة على البيع والشراء باسعار تصل حالياً ما بين 200 و500 مليون جنيه (طبعا أدرك أن هناك عقارات بمليار جنيهولكن قلمي لا يستوعب كتابة الرقم!). 

نهاية فإن فهم حالة الاستقرار الديموجرافي للطلب على العقار في مصر يجب أن يكون مدخلاً لفهم السوق وليس للفزع، فليس هناك سوق في العالم لا يتوقف عند نقطة صعود ليبدأ الهبوط، ولكن الإدراك الديموجرافي قد يقلل طموح شركات العقارات في وجود طلب لا نهائي ديموجرافياً على الوحدات السكنية، وبالتالي ترشيد المعروض لصالح سوق حقيقي.. وإذا اعتبر البعض أن الديموجرافيا لا علاقة لها بالسوق العقاري فسوف اعيده لحديث أميركي في أول فقرة.