(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في الـ14 من سبتمبر/أيلول للعام الجاري (2026)، قد زار البابا لاوُن الرابع عشر، للمرّة الأولى منذ بدء حَبريّته (أي بصفته بابا)، "المكتبةَ الرسوليّة الفاتيكانيّة" أو "مكتبةَ الفاتيكان الرسوليّة" (Bibliotheca Apostolica Vaticana)، التي تُعَدُّ من أعرق مكتبات العالم كافةً، ويعود تأسيسها إلى العصور الوسطى، وبالتحديد إلى القرن الخامس عشر (بعام 1448 ميلاديًّا). وجديرٌ بالذكر أنّ اليوم عينه الذي زار فيه قداسة البابا المكتبةَ، قد تزامن مع احتفاله بعيد ميلاده الحادي والسبعين. وقد أشار قداسته، في حديثه أثناء هذه الزيارة، إلى عدّة أمورٍ مهمّة متعلّقة بوالداته، وبأهمّيّة الكتاب والقراءة، وبالقدّيس أَوْغسطينُس، وبمكتبة الفاتيكان الرسوليّة ذاتها. وإليكم عرضٌ سريع لبعضٍ من محتوى حديثه القصير أثناء هذه الزيارة.
[https://www.vatican.va/.../docum.../20260914-visita-bav.html].

1. والدةُ البابا لاوُن الرابع عشر 
لقد ذَكرَ قداسةُ البابا، في بداية حديثه، أنّ والداته كانت تعمل أمينةَ مكتبةٍ، أي كان لها علاقةٌ بالكُتب والأرشيفات والمخطوطات والقراءة بشكلٍ عامّ. وهذه أمورٌ معتادة في المكتبات عامةً، ولا سيّما في "المكتبة الرسوليّة الفاتيكانيّة" على وجه الخصوص.

2. مناسبةُ الزيارة
سائرًا على خُطى أسلافه من الأحبار، قد زار قداسة البابا مكتبةَ الفاتيكان الرسوليّة، للتعبير عن «قُرب البابا وتقديره لرسالة المحفوظات الرسوليّة والمكتبة الرسوليّة، في خدمة تنمية الثقافة ونشرها، لما فيه خير الكنيسة والبشريّة جمعاء». وتكمن مناسبةُ هذه الزيارة الحَبريّة في افتتاح قداسته لـ"معرض AQVA [الماء]: الكارثة والعجب"، الذي تُقيمه المكتبة. وقد تزامن هذا كلّه مع عيد ميلاده الحادي والسبعين، إذ إنّ روبرت فرانسيس بريفوست (البابا لاوُن الرابع عشر) قد وُلِد في الـ14 من سبتمبر/أيلول لعام 1955، في شيكاغو، إلينوي، بالولايات المتّحدة الأمريكيّة.

3. الكتابُ، والقراءة، والقدّيس أَوْغسطينُس 
من العبارات الرائعة التي قالها قداسةُ البابا، في حديثه، عن الكُتب وأهمّيّة قراءتها، رابطًا هذا الأمر بالقدّيس أَوْغسطينُس، نجد ما يلي: «عندما نفكّر في المكتبة، نتخيّلها بيئةً هادئة وساكنة. ففي الحقيقة، الكُتبُ صامتةٌ وتتطلّب الصمت. في الواقع، إذا كان الكتابُ من جهةٍ يُهدّئ النفسَ، فإنّه من جهةٍ أخرى يُثير القلق، ويُغذّي الرغبةَ وشجاعةَ البحث. إنّ القدّيس أَوْغسطينُس لمثالٌ حيٌّ على هذه الديناميكيّة. لقد كان مفعمًا بالحياة والمعاناة من جرّاء قوى عاتية متصارعة بداخله –كما كَتبَ هو– لسنواتٍ "قد أطلق صرخات يائسة" ("الاعترافات"، 8، 12، 28)، حتّى وَصلَه صوتُ طفلٍ يردّد: "خُذ واقرأ، خُذ واقرأ". فأخذ على الفور كتابًا من يدي صديقٍ له، [أي] رسالة القدّيس بولس إلى أهل رومية، وقد قرأه، و"اخترق نورٌ، يكاد يكون يقينًا، قلبه، وتبدّدت ظلمات الشكّ كلّها" (انظر "الاعترافات"، 8، 12، 29). لقد تلاشى الشكُّ، لكنّ الرغبةَ لم تخمد، بل ازدادت قوّةً، دافعةً إياه لاستكشاف اتساع الكُتب المقدَّسة وعمقها».  

4. "المكتبةُ الرسوليّة الفاتيكانيّة" أو "مكتبةُ الفاتيكان الرسوليّة"
تحوي "المكتبة الرسوليّة الفاتيكانيّة" أو "مكتبة الفاتيكان الرسوليّة" (Bibliotheca Apostolica Vaticana) كنوزًا فريدة لا تُقدّر بثمنٍ. فكما أشار قداسةُ البابا في حديثه، هي لا تقتصر، منذ تأسيسها، «على مؤلَّفات عِلم اللاهوت فحسب، بل تشمل الأدب والفلسفة وعِلم الفلك والفيزياء والرياضيّات والجغرافيا وعِلم النبات وعِلم الحيوان والطب والتاريخ والقانون والفنّ والاقتصاد أيضًا. ولا تقتصر على الكُتب الأوروبيّة والمسيحيّة فحسب، بل تضمّ مجلدات كُتبتْ في سياقات دينيّة أخرى أيضًا، وقادمة من أنحاء العالم كلّه». 

لقد أكّد قداسته على كون "المكتبة الرسوليّة الفاتيكانيّة" بمثابة قلبٍ نابض بالحياة، فـ«نبضُ القلب رمزُ الحياة، وهو ناتجٌ عن حركتين متعاكستين، الانقباض والانبساط: تركيز واسترخاء، حركة نحو المركز وأخرى نحو الأطراف. كذلك، تبقى المكتبةُ الرسوليّة حيّةً بقدر ما تحافظ على انقباضها وانبساطها». وكذلك يرغب قداسته في بقاء مكتبة الفاتيكان الرسوليّة "ملاذًا للخصوصيّة والهدوء والاحترام والرعاية".

وأخيرًا، ومع كون رقمنة المكتبة يُعَدُّ أمرًا مُلحًّا، ولا سيّما في عصر التحوّل الرقميّ، إلّا أنّ قداسته طَالبَ أيضًا بضرورة «الحفاظ على عادة زيارة المكتبة جسديًّا وتشجيعها. فهي ليستْ مجرّد مستودعٍ للكُتب يُمكن الوصول إليه بسهولةٍ عبر الكمبيوتر المنزليّ، بل هي بيئةٌ مفعمة بالتواصل والنقاش وتبادل الأفكار».