د.ماجد عزت إسرائيل

تحية تقدير للواء عماد كدواني، محافظ المنيا، ولجميع القيادات الأمنية والتنفيذية والإدارية، ولكل يدٍ عملت في صمت حتى تخرج هذه الزيارة بهذه الصورة المشرفة.

المنيا | 16 سبتمبر 2026

ليست كل الزيارات مجرد مواعيد تُسجَّل في دفاتر المناسبات، فهناك زيارات تتحول إلى مشاهد إنسانية تبقى في ذاكرة الناس، لأنها تجمع بين عبق التاريخ، وروح الإيمان، ومحبة الوطن. وهكذا جاءت زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إلى إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين، بالتزامن مع احتفالات اليوبيل الذهبي لإعادة تأسيس الإيبارشية، لتشهد عروس الصعيد أيامًا من اللقاءات الروحية والاستقبالات الشعبية والمناسبات التاريخية. 

وهنا لا بد أن نقف أمام حقيقة مهمة: إن تنظيم زيارة بهذا الحجم، وبهذا الامتداد الجغرافي والشعبي، لا يأتي من فراغ، ولا تصنعه المصادفة، بل يحتاج إلى استعداد مبكر، وتنسيق متواصل، وتعاون بين جهات عديدة، حتى تتحقق متطلبات التنظيم والتأمين دون أن تفقد المناسبة دفئها الإنساني. ومن هنا تأتي تحية التقدير للواء عماد كدواني، محافظ المنيا، وللقيادات الأمنية والتنفيذية والإدارية، ورجال المرور والحماية المدنية، ورؤساء الوحدات المحلية، وجميع العاملين الذين شاركوا في الاستعدادات وتنظيم الفعاليات وتأمينها. فتنظيم استقبال شعبي واسع، تتعدد محطاته بين مدينة ملوي وقراها، في أيام تستمر فيها حركة المواطنين وأعمالهم ودراسة أبنائهم، يضيف أعباءً تنظيمية تستحق أن نتذكر معها كل من أسهم في خدمة هذه المناسبة، من المسؤولين إلى العاملين في الميدان.

المنيا.. حين تتحدث الأرض بلغة التاريخ
لملوي مكانة خاصة في ذاكرة التراث المسيحي المصري؛ فقد ارتبطت رحلة العائلة المقدسة بأربعة مواقع تاريخية في المنطقة، هي الأشمونين، وديروط أم نخلة، وبئر السحابة بأنصنا، وكوم ماريا بدير أبو حنس.

وفي مساء الثلاثاء 15 سبتمبر، افتتح قداسة البابا، بمشاركة محافظ المنيا، المرحلة الأولى من مشروع «كوم ماريا»، الذي يرتبط بمسار العائلة المقدسة، وسط احتفال شارك فيه رجال الدين الإسلامي والمسيحي وقيادات المحافظة وأهالي المنطقة. ودقت أجراس 14 كنيسة بشرق ملوي ترحيبًا بوصول قداسته. 
وهنا تتجاوز أهمية المشروع حدود إنشاء مزار سياحي؛ فهو يفتح المجال لإبراز جانب من تاريخ مصر الديني والحضاري، ويعيد تقديم منطقة ملوي بما تحمله من مواقع أثرية وتراثية تستحق الاهتمام والحفاظ عليها.

ومن دير البتول إلى البرشا.. كانت المحبة حاضرة
بدأ قداسة البابا جولته بزيارة دير البتول للراهبات بدير أبو حنس، حيث استقبله الأهالي بالورود واللافتات، وامتدت مظاهر الترحيب إلى القرى المحيطة. كما زار كنيسة الأنبا بيشوي ومارجرجس الأثرية بدير البرشا، في مشاهد عكست الارتباط الوجداني لأبناء المنطقة بهذه الزيارة. ولم تكن قيمة الاستقبال في أعداد الحاضرين وحدها، بل في تلك المشاعر التي عبّر عنها الأطفال والكبار، وفي حضور ممثلين عن المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، بما جسّد معاني التآخي التي ارتبطت بهذه المناسبة.
 
مركز «الحياة معًا».. محطة إنسانية تستحق أن تتصدر المشهد
ولعل من أكثر المحطات تعبيرًا عن البعد الإنساني للزيارة، زيارة قداسة البابا لمركز «الحياة معًا» لذوي الإعاقة، حيث التقى الأطفال والمستفيدين والعاملين بالمركز، إلى جانب زيارته مركز السيدة العذراء والبابا شنودة للمسنين. 

هذه الزيارة تحمل رسالة تتجاوز حدود المناسبة؛ فالمجتمع الذي يفتح أبوابه لأبنائه من ذوي الإعاقة، ويمنح كبار السن الرعاية والاهتمام، يترجم المحبة إلى عمل ملموس. وفي مركز «الحياة معًا»، تصبح البسمة على وجوه الأطفال جزءًا أصيلًا من المشهد، ويصبح الاهتمام بالعاملين والقائمين على الرعاية تذكيرًا بأن قيمة الخدمة الإنسانية لا تقل عن قيمة أي إنجاز عمراني أو احتفال كبير. فما أجمل أن تُضاء المواقع التاريخية، وأن تُفتتح المشروعات، وأن تظل القلوب التي تحتاج إلى المساندة والاحتواء حاضرة في مقدمة الاهتمام.