بقلم: أيمن فايز عطية
كان عدلي رزق الله يزداد قدرًا كلما اقتربت منه. كنت أظن أن الألفة تُهدّئ دهشة اللقاء بالكبار؛ فإذا بها معه تكشف أسبابًا جديدة للدهشة. وراء رهافة اللون شخصية راسخة، ووراء الاعتزاز بالنفس دفءٌ يجعلك تجلس إليه مطمئنًا، بعدما كنت تتهيّب مجرد اللقاء.

في الذكرى السادسة عشرة لرحيله عام ٢٠١٠، أكتب عنه للمرة الأولى. قدمت عنه أعمالًا تلفزيونية من إخراجي، لكنني أتأمل اليوم ما جمع بين الفنان والإنسان: تلك القدرة على صون صوته الخاص، مع إبقاء قلبه مفتوحًا للآخرين.

في مائياته، كما أقرؤها، كانت الشفافية طريقةً لبناء الصورة؛ طبقاتٌ تتداخل من غير أن تُطفئ بعضها، وبياضٌ يشارك في الإضاءة، ومساحاتٌ تبدو خفيفةً وتحمل تكوينًا راسخًا. وفي أعماله البلورية، التي أحببتها خصوصًا، يبدو الضوء كأنه ينشئ الشكل من داخله. براعةٌ تمنح العين متعتها، ثم تترك لها أن تكتشف مقدار المعرفة الكامن فيها.

وأرى عالميته الأعمق في امتلاكه لغةً تعبر إلى الآخرين وتظل لغته. تلك خصوصيةٌ نعرف بها العمل قبل قراءة توقيعه، ويجد فيها المشاهد، مهما اختلفت ثقافته، شيئًا يخصّه أيضًا.

كان عدلي يملك ثقةً هادئة بمنجزه؛ يعرف قيمة التقدير، ويحفظ لنفسه حرية الموقف والاختيار. اعتزازه ثمرة معرفةٍ وعمل، ولذلك استطاع أن يكون شديد الرهافة في فنه، راسخًا في شخصيته، كريمًا في اقترابه من الناس. كانت مكانته تسندها أعماله، وكانت حريته تحفظ لهذه الأعمال صدقها.

كان لقاؤه يومًا حلمًا، ثم صارت بيننا مكالمات ولقاءات متصلة؛ في أتيليه القاهرة، ومقهى ريش، وبيته وبيتي. سنوات قليلة حملت صداقةً عميقة، وحنانًا أبويًا، ومودةً امتدت بين أسرتينا. لم أكن في مقامه الفني، لكنه جعلني أشعر أن المحبة لا تحتاج إلى تكافؤ القامات.

أقمت معه ثلاثة أيام في مرسمه بكينج مريوط، اقتربت فيها من طقوسه الخاصة في محراب فنه. وهناك فاجأني بقوله: «أيمن، هناك سؤال لم تسألني عنه… لماذا لم تسألني عنه؟» فابتسمت. كان قد انتبه إلى ما تركتُه دون سؤال، وكانت ابتسامتي كافيةً بيننا. بعض القرب تعرفه مما تستطيع قوله؛ وبعضه تعرفه حين يُفهَم صمتك.

كنت أُعدّ فيلمًا تسجيليًا عنه، فرحل قبل اكتماله. وحين دخل المستشفى وكانت حالته حرجة، طلبت أن أزوره، فقال: «لا أحب أن تشاهدني بهذه الحالة». بقيت عبارته تؤلمني؛ كنت أريد أن أكون بجواره، وكان من حقه أن يختار كيف أراه.

ويوم رحيله، اتصل بي فنانون تشكيليون يعزّونني فيه. كانت كلماتهم تصل إلى موضعٍ شخصي من الفقد؛ إلى صديقٍ كنت أستطيع أن أهاتفه، وأبٍ وجدت في قربه طمأنينة.

وفي ذكرى الأربعين، اتصلت بي زوجته، سهير إمام، ودعتني أنا وزوجتي سيسيل إلى حفل تأبينه في أحد الجاليريهات، حيث اجتمع محبّوه، وقالت: «أنا أعرف مدى محبتكما لبعض».

كانت تستقبلني في حياته بوقار ثم تنصرف بهدوء. أدركت يومها مقدار ما كان يحمله هدوؤها من انتباه. وبعد رحيله توثقت علاقتنا بها؛ نزورها أنا وسيسيل، وتسأل عنّا وعن أسرتنا بعاطفةٍ غامرة وتواضعٍ رفيع. امتدت المودة معها كأنها تحفظ للبيت دفئه، وللعلاقة حياتها.

وقبل رحيلها، كانت سيسيل معها، فاتصلت بي وسألتني: «أيّ مجموعة من أعمال عدلي تحبّها؟» قلت: «الأعمال البلورية». فأرسلت إليّ مع زوجتي عملًا كبيرًا منها، لم أكن أتخيّل اقتناءه، ولا أملك ثمنه. استقرّ إلى جوار عمل صغير أهداني إياه عدلي بنفسه؛ فصار للعملين في بيتي حضور الفن، ودفء العلاقة التي جاءا منها.

بقي من عدلي ما يستحق أن يتأمله كل فنان: أن تكون لك لغةٌ تُعرَف بها، ونفسٌ لا تغترب عنها، وقامةٌ لا تجعل الآخرين صغارًا حين يقفون بجوارك. تلك صعوبةٌ لا تكفي لتعلّمها براعة اليد؛ وقد عرفتها فيه بقدر ما عرفتها في أعماله.

كنت أظن أنني سأحفظ شيئًا منه في فيلم. واليوم أراه هو الذي ترك فيَّ شيئًا يحفظ معنى الفنان: أن تبلغ من الرهافة ما يمسّ الناس، ومن القوة ما يُبقيك نفسك.