الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين يقال إنّ بولس "أنشأ المسيحيّة التي نعرفها"، لا يكفي أن نجيب بأنّ جماعةً مسيحيّة كانت موجودة قبله. فيوجد سؤالٌ مهم وهو "هل العقائد التي نلتقيها في رسائله مثل موت المسيح وقيامته، العشاء الأخير، الاعتراف به ربًّا، وانتظار مجيئه، ظهرت أوّلًا عند بولس، أم كان هو نفسه قد تسلّمها من جماعة أقدم منه؟
هذه نقطة مهمّة لأنّ رسائل بولس هي أقدم الكتابات المسيحيّة التي وصلت إلينا كاملةً تقريبًا. لكن "أقدم نصّ مكتوب وصل إلينا" لا يعني "أوّل مرّة ظهرت فيها الفكرة". والواقع أنّ بولس نفسه يتيح لنا أن ننظر من خلال رسائله إلى تقاليد مسيحيّة أقدم من رسائله، بل أقدم من رسالته الرسوليّة نفسها. ففي ١ كو ١٥: ٣–٥ يقول: «فإنّي سلّمت إليكم في المقام الأوّل ما تسلّمته أنا أيضًا: أنّ المسيح مات من أجل خطايانا وفقًا للكتب، وأنّه دُفن، وأنّه قام في اليوم الثالث وفقًا للكتب، وأنّه تراءى لكيفا ثم للاثني عشر». فالكلمتان الأساسيتان هنا هما «تسلّمت» و«سلّمت». وهذه هي لغة نقل التقليد: شيء موجود قبل المتكلّم، يتلقّاه ثم ينقله إلى آخرين.
لذلك يرى عدد كبير من الباحثين أن بولس لا يصوغ في هذه الآيات عقيدته الخاصّة لحظة كتابة الرسالة، وإنما يقتبس صيغةً إيمانيّة أقدم. بنية الكلام نفسها تلفت النظر: «مات – دُفن – قام – تراءى»، مع تكرار «وفقًا للكتب» وذكر كيفا والاثني عشر. إنها أقرب إلى صيغة محفوظة للاستعمال في الكرازة والتعليم منها إلى الأسلوب الحرّ الذي يكتب به بولس عادةً.
وتزداد أهمّيّة الأمر إذا انتبهنا إلى التاريخ. كُتبت ١ كورنثوس في النصف الأوّل من الخمسينيّات، لكن بولس يقول إنّه كان قد «تسلّم» هذه الصيغة من قبل. وتحوله إلى الإيمان بالمسيح يُوضع عادةً في الثلاثينيّات. ومن ثمّ فنحن أمام تقليد عن موت يسوع ودفنه وقيامته وظهوراته يرجع إلى مرحلة مبكرة جدًّا من تاريخ الجماعة المسيحيّة، لا إلى العقود المتأخرة التي بدأ فيها بولس كتابة رسائله. ويختتم بولس هذا المقطع بعبارة لا ينبغي تجاوزها سريعًا. بعد أن يذكر ظهور المسيح لكيفا والاثني عشر وسائر الرسل ثم له هو نفسه، يقول: «فسواء أنا أم أولئك، هكذا نكرز وهكذا آمنتم» (١ كو ١٥: ١١). هذه الآية شديدة الأهمّيّة في مسألة "اختراع بولس للمسيحيّة". فهو لا يقول "هذه هي بشارتي أنا في مقابل بشارة الرسل"، وإنما يصرّح بأنّ هذا هو مضمون الكرازة المشتركة: «أنا أو أولئك». ويمكن بالتأكيد مناقشة الخلافات بين بولس وبطرس ويعقوب، وسنفعل ذلك لاحقًا، لكنّ بولس نفسه يشهد هنا لاتفاق جوهريّ على مركز البشارة: موت المسيح وقيامته. ويظهر النمط نفسه في حديثه عن العشاء الأخير: «فإنّي تسلّمتُ من الربّ ما سلّمتُ إليكم: أنّ الربّ يسوع في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزًا...» (١ كو ١١: ٢٣). ثم يورد التقليد عن الخبز والكأس.
ويقال أحيانًا في الجدل "إنّ عبارة «تسلّمت من الربّ» تثبت أن بولس لم يأخذ شيئًا من تلاميذ يسوع، وإنما تلقّى كلّ شيء عن طريق رؤى شخصيّة". غير أنّ النصّ لا يفرض هذا الاستنتاج. فهو يستخدم مرّة أخرى الصيغة نفسها: «تسلّمت... سلّمت». وعبارة «من الربّ» تدلّ على المصدر الأصيل للتقليد، أي إنّ هذا التعليم يرجع إلى الربّ يسوع نفسه، من دون أن تعني أنّ بولس يدّعي أنّه تلقّى كلّ كلمات العشاء مباشرةً في رؤيا. بل إنّ بولس يميّز بنفسه بين تقليد ينسبه إلى الربّ وبين حكم رسوليّ يصدر عنه. ففي ١ كو ٧: ١٠ يقول في شأن الزواج: «أوصي المتزوّجين، لا أنا بل الربّ»، ثم يقول في مسألة أخرى: «وأمّا الباقون فأقول لهم أنا لا الربّ» (١ كو ٧: ١٢). ومهما ناقشنا تفسير هذا التمييز، فهو يدلّ على أنّ بولس يعرف الفرق بين تعليم يرجعه إلى يسوع وتقويم رسوليّ يقدّمه هو لمشكلة جديدة.
ودليلٌ آخر يأتي من غلاطية نفسها. فبعد ثلاث سنوات من اهتدائه، يقول: «صعدت إلى أورشليم لأتعرّف إلى كيفا، فأقمت عنده خمسة عشر يومًا، ولم أرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الربّ» (غل ١: ١٨–١٩). ثم يخبرنا أنّه عاد لاحقًا إلى أورشليم وعرض الإنجيل الذي يكرز به بين الأمم على الذين كانت لهم مكانة في الكنيسة، وأن يعقوب وكيفا ويوحنّا، «المعتبرين أعمدة»، أعطوه وبرنابا «يمين الشركة» (غل ٢: ١–٩). فلو كان بولس قد أنشأ ديانةً جديدة لا علاقة لها بإيمان تلاميذ يسوع، يصبح من الصعب تفسير لماذا يذهب إلى كيفا ويعقوب، ولماذا يستطيع أن يتحدّث عن شركة بينهم وعن تقسيم للعمل الرسوليّ. ولا يعني هذا أنّ العلاقة كانت بلا توتّر. بولس نفسه يروي خلافه مع بطرس في أنطاكية، وسنعود إلى هذا بالتفصيل. لكن وجود خلاف حول المائدة وعلاقة اليهود بالأمم أمر، ووجود ديانتين منفصلتين أمر آخر. والنصوص الأولى لا تعطينا صورة «يسوع وبطرس ويعقوب» في جهة و«بولس صاحب ديانة جديدة» في جهة مقابلة بهذه البساطة.
ويوجد شاهد صغير أكثر إثارة للاهتمام في ١ كو ١٦: ٢٢. يكتب بولس إلى مسيحيّين ناطقين باليونانيّة في كورنثوس، لكنه يترك وسط الرسالة دعاءً آراميًّا:
"ماراناتا" «يا ربّنا، تعال». لماذا تحتفظ جماعة يونانيّة بصيغة صلاة آراميّة؟ التفسير الطبيعيّ هو أنّها ورثتها من طبقة أقدم من التقليد المسيحيّ مرتبطة بالجماعات الناطقة بالآراميّة في فلسطين أو سورية. أي إنّ مخاطبة يسوع بوصفه «ربّنا» وانتظار مجيئه كانت جزءًا من العبادة المسيحيّة قبل أن تصبح اليونانيّة اللغة الغالبة على رسائل بولس. وهنا ينبغي أن نميّز بين سؤالين كثيرًا ما يختلطان في الجدل الدينيّ. يستطيع شخصٌ مسلم مثلا أن يقول، انطلاقًا من إيمانه القرآنيّ، إنّ بعض ما آمن به المسيحيّون عن يسوع غير صحيح. هذا نقاش لاهوتيّ بين عقيدتين. أمّا السؤال التاريخيّ فهو مختلف: متى ظهرت هذه المعتقدات فعلًا بين أتباع يسوع؟
وحين نسأل السؤال التاريخيّ لا نستطيع القفز من القرن الأوّل إلى نصٍّ ظهر بعده بستّة قرون لكي نعيد بناء ما كان يؤمن به المسيحيّون الأوائل. ينبغي أوّلًا فحص أقدم المصادر المتاحة لنا. وهذه المصادر تقول إنّ بولس وجد قبله جماعات، ورسلًا، وصيغًا إيمانيّة، وتقليدًا عن العشاء الأخير، وإيمانًا بالموت والقيامة، ودعاءً آراميًّا موجّهًا إلى يسوع بصفته الربّ. هذا كلّه لا يقلّل من أصالة بولس اللاهوتيّة. لقد كان مفكّرًا مسيحيًّا استثنائيًّا، ووسّع بصورة حاسمة فهم العلاقة بين الصليب والقيامة والنعمة والروح والكنيسة، ولا سيّما مسألة دخول الأمم إلى شعب الله من دون إخضاعهم للشريعة اليهوديّة كاملةً. لكن «التطوير اللاهوتيّ» شيء، و«اختراع الديانة» شيء آخر.
ربّما الأدقّ تاريخيًّا أن نقول: بولس تلقّى إيمانًا مسيحيًّا سابقًا عليه، ثم فسّره وطوّره ودافع عن نتائجه في ظروف جديدة. أمّا القول إنّه بدأ من الصفر، واخترع موت المسيح وقيامته والعشاء الأخير والإيمان به ربًّا، فلا ينسجم حتى مع أقدم الوثائق التي كتبها بولس نفسه.
وفي الحلقة القادمة نواجه الاعتراض الأشدّ حساسيّة: إذا كان بولس لم يخترع الإيمان المسيحيّ من أساسه، فهل كان هو على الأقلّ مَن حوّل يسوع من نبيّ ومسيح إلى «إله»؟
يتبع…
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
مراجع للاستزادة:
رايموند براون، مدخلٌ إلى العهد الجديد، دار الأكويني، القاهرة ٢٠٢١
Joseph A. Fitzmyer, First Corinthians: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Yale Bible 32 (New Haven: Yale University Press, 2008).
Jerome Murphy-O’Connor, Paul: A Critical Life (Oxford: Clarendon Press, 1996).
Larry W. Hurtado, Lord Jesus Christ: Devotion to Jesus in Earliest Christianity (Grand Rapids: Eerdmans, 2003).





