محرر الأقباط متحدون
قبل أقل من أسبوعين، يستعد لاون الرابع عشر'>البابا لاون الرابع عشر لبدء زيارة رسولية إلى فرنسا تكتسب أهمية خاصة، ليس فقط بسبب محطاتها الروحية، وإنما أيضاً لأنها تعيد إلى الذاكرة زيارة بابوية سبقتها قبل ثمانية عشر عاماً، أي عندما زار البابا الراحل بندكتس السادس عشر هذا البلد الأوروبي في العام ٢٠٠٨ لمناسبة الذكرى المئة والخمسين لظهورات السيدة العذراء في لورد.

ورغم أن كثيراً من الشباب الذين ينتظرون البابا اليوم لا يتذكرون تلك الزيارة، ومن بينهم من لم يكونوا قد وُلدوا بعد، فإن العودة إليها يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً لفهم الرسائل التي قد يحملها لاون الرابع عشر'>البابا لاون الرابع عشر معه إلى فرنسا. فبين الزيارتين خيط روحي وفكري واضح، يتمثل بصورة خاصة في تعاليم القديس أغسطينس، الذي يحتل مكانة بارزة في فكر البابا الحالي.

عندما وصل البابا راتزنغر إلى باريس في الثاني عشر من أيلول سبتمبر من العام ٢٠٠٨، وصفته وسائل الإعلام آنذاك بأنه "البابا المحب لفرنسا". ولم يكن هذا الوصف ضرباً من المجاملة، فقد كانت علاقته بالثقافة الفرنسية قديمة وعميقة. كان يتحدث الفرنسية بطلاقة، ويعرف أدبها وفكرها وإنتاجها العلمي، كما كان شغوفاً بالعديد من أعمال الكتّاب الفرنسيين الذين رافقته قراءاتُهم منذ شبابه.

هذا وقد حظي بندكتس السادس عشر بتقدير فرنسي واضح، وانضم عام ١٩٩٢ إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم الأخلاقية والسياسية، كما مُنح عام ١٩٩٨ وسام قائد جوقة الشرف من السفارة الفرنسية لدى الكرسي الرسولي. وعندما تسلّم ذلك التكريم، تحدث راتزنغر عن إعجابه القديم بفرنسا، متذكراً كيف كانت قراءاته للكتّاب الفرنسيين في شبابه بمثابة نافذة ثقافية وفكرية، ساعدته على تجاوز أجواء ما بعد الحرب في بلاده.

وكانت علاقة البابا الراحل بفرنسا علاقة فكرية وأكاديمية. فقد كان في العام ١٩٩٩ عالم اللاهوت الكاثوليكي الوحيد بين ثمانية عشر مثقفاً بارزاً دُعوا إلى جامعة السوربون في باريس للمشاركة في مؤتمر حول مستقبل العالم مع دخول الألفية الثالثة. وهناك ألقى محاضرة تناول فيها أزمة المسيحية في القارة الأوروبية. كما أن صِلته بفرنسا حملت بعداً تاريخياً وإنسانياً، إذ ترأس عام ٢٠٠٤ الاحتفال بالذكرى الستين لإنزال قوات الحلفاء في النورماندي. ومن المفارقات أن والد البابا الحالي لاون الرابع عشر كان من بين الجنود الذين شاركوا في ذلك الإنزال الذي غيّر مسار الحرب العالمية الثانية.

مع ذلك فإن العلاقة بين راتزنغر وفرنسا لم تكن خالية من الصعوبات. فقد انتقد في مراحل مختلفة بعض جوانب الحياة الكنسية الفرنسية، ومن بينها الطريقة التي قُدّم بها التعليم المسيحي، معتبراً أنه لا يقدّم الإيمان باعتباره "كلاً عضوياً متكاملاً". كما شهدت العلاقة نقاشات حول الليتورجيا التقليدية. ومع ذلك، بقيت حقيقة أساسية واضحة: عندما وصل بندكتس السادس عشر إلى فرنسا، كان حبرا أعظم يعرف هذا البلد جيداً، ويعرف ثقافته وإنجازاته، كما يعرف التحديات التي تواجهها الكنيسة والمجتمع الفرنسي.

ويبقى القديس أغسطينس الرابط الأهم القائم بين الزيارتين للبابوين بندكتس السادس عشر ولاون الرابع عشر. فالقديس أغسطينس كان موضوع أطروحة الكاردينال راتزنغر للدكتوراه، وظل حاضراً بقوة في تفكيره اللاهوتي والروحي طوال عقود. والأهم أن هذا القديس هو أيضاً أحد أبرز المعلمين الروحيين للبابا لاون الرابع عشر، ولذلك تبدو العودة إلى كلمات بندكتس السادس عشر في فرنسا ذات دلالة خاصة اليوم.

في باريس، وخلال احتفاله بصلاة الغروب في كاتدرائية نوتردام، تحدث بندكتس السادس عشر عن توق الإنسان إلى المدينة المقدسة، مستنداً إلى تأملات القديس أغسطينس في المزمور المئة والحادي والعشرين، الذي تحدث عن رحلة الإنسان نحو الملكوت، وعن الكنيسة باعتبارها بدايةً وصورةً مسبقة لأورشليم السماوية. وهكذا تحولت باريس في كلمات البابا راتزنغر إلى نقطة انطلاق للحديث عن مدينة أخرى، هي المدينة المقدسة التي يتطلع إليها الإنسان في مسيرته الروحية.

هذا ولم تكن رسائل بندكتس السادس عشر في فرنسا محصورة في المجال الديني وحسب. ففي قصر الإليزيه، تحدث البابا الراحل عن المعنى الحقيقي للعلمانية داعياً إلى التفكير في العلاقة بين الإيمان والمجتمع الحديث. وأمام نحو سبعمئة من ممثلي عالم الفن والعلم، من المسيحيين وغير المسيحيين، شدد على أهمية البحث عن الله باعتباره أساساً لكل ثقافة حقيقية. وفي عظة أمام حشد من المؤمنين تجاوز مئتين وخمسين ألف شخص، حذر من الأصنام المعاصرة التي يمكن أن تستولي على حياة الإنسان وتبعده عن المعنى الحقيقي لوجوده. كما وجه إلى الشباب كلمات اتسمت بالثقة والمودة، مؤكداً أهمية الرجاء والإيمان في مواجهة عالم سريع التغير.

ومما لا شك فيه أن المحطة الأبرز في زيارة بندكتس السادس عشر فكانت مزار لورد، الذي أمضى فيه الجزء الأكبر من رحلته، كما من المتوقع أن يفعل لاون الرابع عشر'>البابا لاون الرابع عشر. فقد وصل البابا راتزنغر إلى لورد بصفته حاجاً. وسلك طريق الحج اليوبيلي الذي أُقيم بمناسبة الذكرى المئة والخمسين لظهورات السيدة العذراء. وفي هذا المكان، الذي يُنظر إليه بوصفه العاصمة الروحية لفرنسا، استعاد معنى التعزية والرجاء اللذين ارتبطا برسالة لورد منذ ظهورات العذراء للقديسة برناديت.

اليوم تبدو زيارة بندكتس السادس عشر الرسولية إلى فرنسا أكثر من مجرد ذكرى تاريخية، إذ إنها تشكل مناسبة ملائمة لإعادة اكتشاف رسالة القديس أغسطينس، ألا وهي أن الإنسان يبقى في بحث دائم عن الحقيقة وعن الله وعن المدينة التي تتجاوز حدود العالم. وبين باريس ولورد يمكن أن تتقاطع رسالتا حبرين أعظمين تفصل زيارتيهما إلى فرنسا ثماني عشرة سنة، لكن يجمعهما اهتمام مشترك بالإنسان والثقافة والإيمان والرجاء.